بين وعود الإصلاح وغضب المعارضة.. واقع التعليم العالي تحت مجهر البرلمان
أثار وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، عاصفة من الجدل في الأوساط السياسية والتربوية، عقب تصريحاته المثيرة تحت قبة البرلمان خلال مناقشة الميزانية الفرعية لوزارته، حين قال بصراحة: “ابنتي كانت ضعيفة في المدرسة العمومية وخلصت عليها 6000 درهم دروس الدعم”.
هذه الجملة، التي وردت في سياق تفاعله مع نقاش حول جودة التعليم العمومي، تحولت بسرعة إلى قضية رأي عام، بعدما اعتبرها كثيرون دليلاً على فقدان الثقة في المدرسة العمومية من داخل الحكومة نفسها، التي يُفترض أن تكون أول المدافعين عنها.
تصريحات الوزير لم تمر مرور الكرام، فقد اعتبرتها المعارضة “صادمة” و”غير مسؤولة”، إذ قال فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب إن مثل هذا الخطاب يُضعف صورة المدرسة العمومية ويشجع بشكل غير مباشر على التعليم الخصوصي ودروس الدعم.
وأشارت النائبة نادية تهامي، في مداخلتها بلجنة التعليم والثقافة والاتصال، إلى أن الحكومة كانت قد التزمت في برنامجها برفع تصنيف المغرب ضمن أفضل ستين دولة في العالم من حيث جودة التعليم، غير أن “الواقع يؤكد عكس ذلك، إذ ما تزال الجامعات المغربية غائبة عن التصنيفات العالمية الموثوقة”.
وأضافت تهامي أن الحكومة تراجعت عن وعودها المتعلقة بإحداث المركبات الجامعية والأنوية الجديدة، معتبرة أن “النتيجة هي استمرار ضعف البنيات التحتية، وغياب العدالة المجالية في الولوج إلى التعليم العالي، واستفحال ظاهرة الهدر الجامعي”.
وتحدثت البرلمانية عن وضع الأحياء الجامعية التي “تعاني ضعف الطاقة الاستيعابية ورداءة خدمات الإطعام والمنحة الهزيلة”، على حد تعبيرها، مشيرة إلى أن “الطالب المغربي يجد نفسه منذ سنته الجامعية الأولى أمام خيار واحد: الانسحاب القسري من الدراسة، لعدم توفره على منحة أو سكن أو كلية قريبة”.
وفي الاتجاه نفسه، انتقدت النائبة نبيلة منيب، عن الحزب الاشتراكي الموحد، وضعية التعليم العالي والبحث العلمي، ووصفتها بـ”المقلقة”. وأكدت أن الزيادة في الميزانيات المخصصة للقطاع لا تكفي وحدها لتحقيق الجودة المنشودة، معتبرة أن “المشكل أعمق ويتعلق برؤية الإصلاح الشامل، وبالربط بين مختلف أسلاك التعليم من الأولي إلى الجامعي”.
وأضافت منيب أن البحث العلمي يعاني من تهميش مستمر، وأن عدداً من الكفاءات المغربية التي ساهمت في مشاريع علمية عالمية “تقترب من التقاعد دون أن تجد من يخلفها في المختبرات والمؤسسات الجامعية”.
ورغم الانتقادات اللاذعة، دافع الوزير عز الدين ميداوي عن رؤيته الإصلاحية خلال الاجتماع نفسه، موضحاً أن مشروع “التكوين الميسر” الذي أطلقته وزارته يهدف إلى تجاوز الاكتظاظ داخل الجامعات وتحسين ظروف الدراسة والتدريس، مبرزاً أن “المرحلة الحالية هي انتقال من التشخيص إلى التنفيذ الميداني رغم المقاومة التي يواجهها الإصلاح داخل المنظومة”.
وأوضح أن المشروع يعتمد على تمكين الموظفين والأجراء من متابعة دراستهم في الجامعة العمومية وفق برامج موازية، “دون المساس بمبدأ مجانية التعليم أو جودة التكوين”.
وأشار ميداوي إلى أن عدداً من الجامعات المغربية انخرطت جزئياً في التجربة من خلال فتح مسالك محدودة في الماستر والدكتوراه، بينما اعتمدت أخرى الصيغة الشاملة، مضيفاً أن “التفاوت في البداية طبيعي وسنعمل على توحيد المعايير مع رؤساء الجامعات”.
كما شدد على أن التكوين الميسر يهدف إلى إعادة الجاذبية للجامعة العمومية ورد الاعتبار للأساتذة الباحثين، مؤكداً أن “الكثير من الأساتذة غادروا الجامعة نحو القطاع الخاص بسبب غياب الحوافز، ويجب أن نعيد إليهم كرامتهم داخل الجامعة العمومية”.
وفي معرض حديثه عن تمويل الجامعات، كشف الوزير أن بعض المؤسسات الجامعية تحقق مداخيل سنوية تصل إلى 13 مليار سنتيم من برامج تكوين الموظفين، بينما لا تتلقى من الوزارة سوى 4 مليارات سنتيم مخصصة للاستثمار والتسيير.
واعتبر أن هذه الفوارق المالية تعكس “إمكانات داخلية يمكن توظيفها لتحسين أوضاع الأساتذة وتجويد الخدمات الجامعية”. كما شدد على أن “الهدف الأول هو الطالب، والثاني تحسين ظروف العمل الجامعي، والثالث جعل الجامعة فضاءً جاذباً للبحث والإبداع العلمي والثقافي”.
أما بخصوص البحث العلمي، فقد أقر الوزير بوجود “اختلالات بنيوية”، مشيراً إلى أن “نسبة مهمة من الأساتذة لا يشاركون في البحث أو في الإشراف على الأطروحات”، ما يجعل الإنتاج العلمي الوطني محدوداً مقارنة بدول الجوار.