بعد تقرير بريطاني صادم.. اختلالات سيارات الأجرة بالمغرب تثير جدلا سياسيا
دخل ملف اختلالات قطاع سيارات الأجرة بالمغرب منعطفا جديدا بعدما انتقل من دائرة التقارير الدولية والبلاغات الحقوقية إلى قبة البرلمان، في سياق يتسم بتنامي القلق بشأن انعكاسات هذه الممارسات على صورة المملكة السياحية، خاصة مع اقتراب استحقاقات دولية كبرى تراهن عليها البلاد لتعزيز جاذبيتها الاقتصادية والرياضية.
وفي هذا الإطار، وجهت النائبة البرلمانية عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حياة لعرايش، سؤالا شفهيا إلى وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، استندت فيه إلى معطيات دراسة دولية حديثة صدرت في ديسمبر 2025 عن شركة تأمين السفر البريطانية “All Clear”، والتي اعتمدت على تحليل البيانات الضخمة لمنصة “ريديت”، حيث قام خبراء الشركة بفحص أزيد من 450 منشورا وأكثر من 30 ألف تعليق، بهدف تحديد أكثر الدول التي يشتكي فيها السياح من التعرض لعمليات نصب أو احتيال عند استعمال سيارات الأجرة.
وصنفت الدراسة المغرب في المرتبة الثامنة عالميا من حيث عدد الشكاوى المسجلة، بما مجموعه 1329 تعليقا سلبيا، ركزت في مجملها على ممارسات اعتبرها السياح مسيئة وغير قانونية، في مقدمتها تعطيل العداد والمطالبة بتسعيرات جزافية مبالغ فيها، إلى جانب تغيير المسارات وسلوك طرق أطول لرفع قيمة الرحلة، فضلا عن استغلال جهل السائح بالأسعار المحلية، خصوصا عند وصوله إلى المطارات، التي وصفتها الدراسة بـ”النقطة السوداء” الأبرز في هذه التجاوزات.
كما رصد التقرير لجوء بعض السائقين إلى وضع أمتعة المسافر داخل الصندوق قبل الاتفاق على السعر، في محاولة للضغط عليه وفرض تسعيرة غير متفق عليها.
واعتبرت البرلمانية الاتحادية أن هذه السلوكيات تسيء بشكل مباشر إلى سمعة السياحة المغربية، وتتناقض مع الجهود الرسمية المبذولة للترويج لصورة المغرب كوجهة آمنة ومرحبة، متسائلة عن التدابير التي تعتزم الوزارة الوصية اتخاذها لوضع حد نهائي لهذه التجاوزات التي باتت تسيء إلى أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني.
وتوازيا مع النقاش البرلماني، عبر المرصد المغربي لحماية المستهلك عن متابعته بقلق لمضامين التقرير الدولي ذاته، مؤكدا في بلاغ رسمي أن تسجيل أكثر من 1300 تجربة سلبية من طرف السياح يفرض وقفة جادة لتقييم واقع القطاع، خاصة في ظل تكرار شكاوى تتعلق بتحصيل أسعار مضاعفة، واستغلال عدم معرفة الزبون بالطرق والمسافات، واستعمال عدادات غير دقيقة أو معطلة.
وشدد المرصد على أن الإطار القانوني المغربي، وعلى رأسه قانون حماية المستهلك رقم 31.08، يضمن حق المستهلك في الاستفادة من خدمات عادلة وشفافة ومطابقة للشروط المتفق عليها، كما يلزم سائقي سيارات الأجرة، بموجب اللوائح التنظيمية المؤطرة للنقل العمومي، باحترام التعريفة الرسمية المحددة من طرف السلطات المحلية، والتعامل باحترام ومسؤولية مع الزبناء، سواء كانوا مواطنين أو سياحا.
ودعا المرصد إلى تكثيف عمليات المراقبة والتفتيش، وتفعيل العقوبات القانونية في حق المخالفين، مع تعزيز وعي المستهلكين والسياح بحقوقهم وبالآليات المتاحة للتبليغ عن أي تجاوزات.
كما قدم جملة من التوصيات العملية، من بينها تعزيز الرقابة الميدانية والرقمية على سيارات الأجرة، والتأكد من سلامة عمل العدادات، وإلزام السائقين بوضع ملصقات واضحة داخل المركبات تتضمن التعريفات الرسمية المعتمدة، إلى جانب إطلاق حملات تحسيسية، وتطوير تطبيقات رقمية رسمية تتيح التحقق من السعر والمسافة، وتفعيل آليات سريعة وفعالة للتبليغ، مع تشديد العقوبات التي قد تصل إلى الغرامات الثقيلة أو تعليق الرخص أو الإحالة على القضاء في الحالات الجسيمة.
ويأتي هذا الحراك الحقوقي والإعلامي في سياق نقاش برلماني أوسع حول الأعطاب البنيوية التي يعاني منها قطاع سيارات الأجرة، حيث سبق للنائب البرلماني محمد الحجيرة، عن فريق الأصالة والمعاصرة، أن سلط الضوء خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب على الاختلالات المزمنة التي تطبع هذا المرفق الحيوي، معتبرا أن واقعه الحالي لم يعد ينسجم مع التحولات الحضرية الكبرى التي تعرفها المدن المغربية، ولا مع تطلعات المواطنين في خدمات نقل تحترم معايير الجودة والنجاعة والسلامة.
وأكد الحجيرة أن القطاع، رغم مكانته المحورية ضمن منظومة النقل الحضري، لا يزال يدار بمنطق تقليدي أفرز اختلالات عميقة، داعيا إلى إصلاح شامل ومستدام يتجاوز الحلول الترقيعية، ويأخذ بعين الاعتبار الاستحقاقات الدولية المقبلة، وعلى رأسها تنظيم تظاهرات رياضية عالمية، التي تفرض الارتقاء بخدمات النقل العمومي حتى تعكس صورة المغرب كبلد منفتح وقادر على توفير خدمات عصرية بمستوى المعايير الدولية.
وفي المقابل، سبق لوزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أن قدم معطيات دقيقة حول واقع القطاع، كاشفا عن وجود مقاومة حقيقية للتغيير من طرف فاعلين يستفيدون من الوضع القائم، ما أدى إلى تعطيل عدد من مبادرات الإصلاح.
وأقر الوزير بتسجيل عدم رضا شريحة واسعة من المرتفقين بشأن جودة الخدمات، إلى جانب اختلال التوازن بين العرض والطلب في عدد من المناطق الحضرية وشبه الحضرية.
وأوضح لفتيت أن وزارة الداخلية أطلقت خلال السنة الجارية دراسة استراتيجية معمقة لتشخيص مكامن الخلل واستلهام تجارب دولية ناجحة، مشيرا إلى أن هذه الدراسة بلغت مرحلة إعداد المقترحات بعد استكمال التشخيص والتحليل المقارن.
وكشف أن أسطول سيارات الأجرة بالمغرب يضم حوالي 77 ألفا و200 سيارة، ويوفر فرص شغل لنحو 180 ألف سائق، ما يجعل أي إصلاح رهانا اجتماعيا واقتصاديا دقيقا يتطلب مقاربة متوازنة تحمي حقوق المهنيين وتستجيب في الآن ذاته لانتظارات المرتفقين.
ورغم الإقرار بتحقيق نتائج إيجابية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بتجديد حوالي 80 في المائة من الأسطول وتقليص متوسط عمر المركبات، إلا أن الوزير نبه إلى استمرار إكراهات متعددة، من بينها هشاشة الإطار القانوني، وتعدد المتدخلين، وتضارب المصالح، وبطء اعتماد الحلول الرقمية، في ظل تنامي النقل غير المرخص عبر المنصات الإلكترونية.
ويعكس هذا النقاش المتصاعد قناعة متزايدة لدى مختلف الفاعلين بأن إصلاح قطاع سيارات الأجرة لم يعد ترفا مؤجلا، بل ضرورة ملحة تمس صورة المغرب وسمعته، وتؤثر بشكل مباشر على جودة العيش وجاذبية الاستثمار والسياحة، في انتظار أن تترجم الوعود والدراسات إلى إجراءات ملموسة.