فوضى مدارس الريادة تعيد وزارة برادة إلى قلب الجدل البرلماني

الكاتب : انس شريد

23 يناير 2026 - 10:00
الخط :

عاد مشروع مدارس الريادة إلى واجهة النقاش العمومي والتربوي، في ظل تصاعد موجة الانتقادات داخل الأوساط البرلمانية والتعليمية، على خلفية اختلالات تنظيمية رافقت إجراء الفروض الثانية للمراقبة المستمرة وامتحانات الدورة الأولى بعدد من هذه المؤسسات.

وأثارت الشكاوى المتداولة تساؤلات جدية حول مستوى الجاهزية والتدبير، خاصة في ظل ما طبع العملية من ارتباك وغياب للانسجام، وذلك في وقت تواصل فيه وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة تقديم المشروع كأحد أعمدة إصلاح المدرسة العمومية وآلية مركزية للارتقاء بجودة التعلمات وتحسين مردودية المنظومة التعليمية.

وفي هذا السياق، وجه النائب البرلماني عن فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، حسن أومريبط، سؤالا كتابيا إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، أثار فيه ما وصفه بحالة الارتباك التنظيمي والاختلالات المتراكمة التي طبعت تمرير هذه الاستحقاقات داخل مؤسسات الريادة، معتبرا أن ما جرى كشف عن ضعف في التخطيط والتنفيذ، وعن غياب رؤية واضحة تراعي واقع المدرسة العمومية وإكراهاتها.

وأكد النائب البرلماني أن تنظيم الفروض الثانية وامتحانات الدورة الأولى تم في ظروف زمنية ضيقة، أثقلت كاهل الأساتذة والأطر الإدارية بمهام إضافية غير مبررة، خاصة في ما يتعلق بعمليات التصحيح وإدخال النقط في منظومة "مسار"، التي تعاني، بحسب تعبيره، من أعطاب تقنية متكررة تزيد من تعقيد العمل اليومي، وترفع من منسوب الضغط النفسي والمهني داخل المؤسسات التعليمية.

وأضاف أن هذه الضغوط لم تراع تراكم المهام والإرهاق الناتج عن ضغط الزمن، ما انعكس سلبا على جودة الأداء وعلى مستوى الرضا المهني لدى الأطر التربوية.

وسجل أومريبط في معرض سؤاله أن الامتحانات نفسها لم تخل من اختلالات ميدانية، تجلت في مشاكل تتعلق بجودة الطباعة وعدم وضوح الأسئلة، خاصة في المستويات الدنيا التي تعتمد بشكل كبير على الدعم البصري في بناء التعلمات، إضافة إلى صعوبات مرتبطة بالامتحانات المكيفة، التي لم تأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية والحالات الخاصة لبعض المتعلمين، في تعارض صريح مع مبدأ الإنصاف الذي تؤكد عليه الوثائق الرسمية المؤطرة للمشروع.

كما أشار النائب البرلماني إلى أن تسريب بعض مواضيع الامتحانات أدى إلى اتخاذ قرارات بتأجيلها إلى ما بعد العطلة المدرسية، وهو ما اعتبره مؤشرا على ضعف إجراءات ضمان السرية، وزاد من حدة الارتباك داخل المؤسسات المعنية.

واعتبر أن البلاغات الرسمية الصادرة عن الوزارة ساهمت بدورها في تعميق الغموض لدى الأطر التربوية والإدارية، بسبب الخلط بين مراحل التقويم المختلفة في التواصل المؤسساتي.

وشدد أومريبط على أن هذه الإشكالات لا يمكن التعامل معها كوقائع معزولة، بل تندرج ضمن سلسلة من الاختلالات التي رافقت تنزيل مشروع مدارس الريادة مقارنة بباقي المؤسسات التعليمية، وهو ما يطرح، حسب رأيه، أسئلة جوهرية حول طريقة تدبير المشروع ومدى انسجامه مع الأهداف المعلنة، داعيا الوزارة إلى توضيح الإجراءات التي تعتزم اتخاذها لتصحيح هذا الوضع، والتخفيف من الضغط على الأطر التربوية، وضمان جودة التعليم وسرية الامتحانات، بما يعيد الثقة في المشروع.

وبالتوازي مع ذلك، أعادت النائبة البرلمانية فاطمة التامني، عن حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، فتح الملف من داخل البرلمان، من خلال سؤال كتابي وجّهته إلى الوزير الوصي، سلطت فيه الضوء على اختلالات ميدانية رافقت تنزيل مشروع "مؤسسات الريادة" خلال الموسم الدراسي الجاري، وما تطرحه من إشكالات مرتبطة بالحكامة والشفافية وتكافؤ الفرص.

وسجلت التامني أن من أبرز هذه الاختلالات تأجيل امتحان مادة الرياضيات بعدد من مؤسسات الريادة، إلى جانب تأخير الإعلان عن النتائج إلى ما بعد العطلة المدرسية، وهو ما مس بشكل مباشر بالزمن المدرسي، وأخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ، وأثار حالة من الاستياء في صفوف المتعلمين وأسرهم، فضلا عن الأطر التربوية والإدارية.

واعتبرت النائبة البرلمانية أن هذه الوقائع تندرج ضمن سياق أوسع من الإكراهات التي شابت تنزيل المشروع، من بينها الخصاص المسجل في الموارد البشرية، ونقص التجهيزات والوسائل الديداكتيكية داخل عدد من المؤسسات، إضافة إلى ارتباك تنظيمي وبيداغوجي ناتج عن ضعف الإعداد المسبق والتكوين، وأحيانا غياب الاستقرار الإداري داخل بعض المدارس المنخرطة في المشروع.

كما نبهت التامني إلى إشكالية تأخر أو عدم توفر المقررات والكتب المدرسية في الآجال المناسبة، معتبرة أن هذا المعطى ينعكس سلبا على السير العادي للدروس وجودة التعلمات، ويقوض الأهداف المعلنة للمشروع، خاصة في سياق يتطلب فيه أي إصلاح تربوي توفير الشروط المادية والبيداغوجية قبل تعميم التجارب.

وفي السياق نفسه، استحضرت النائبة البرلمانية ملاحظات المجلس الأعلى للتربية والتكوين، الذي سبق أن حذر من أن اعتماد آلية «الاختيار الطوعي» للمؤسسات المنخرطة في مشروع الريادة قد يؤدي إلى تكريس الفوارق المجالية والاجتماعية بدل تقليصها، خصوصا على حساب الوسط القروي والمؤسسات التعليمية الأكثر هشاشة.

وفي مقابل هذه الإكراهات الميدانية، سجلت التامني استمرار الخطاب الرسمي في الترويج لأرقام ونسب تتحدث عن «نجاح» تجربة مؤسسات الريادة وتحسن المردودية، دون أن تواكبها تقارير تقييم مفصلة أو معطيات إحصائية محينة، أو إخضاع المشروع لتقييم مستقل، وهو ما يطرح، بحسبها، إشكالا حقيقيا على مستوى الشفافية والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ينص على ذلك الفصل 154 من الدستور.

وتساءلت النائبة عن الأسباب الحقيقية وراء تأجيل الامتحانات وتأخير الإعلان عن النتائج داخل مؤسسات الريادة، وعن الجهة التي تتحمل المسؤولية الإدارية والتربوية عن هذه الاختلالات.

كما طالبت بتوضيح التدابير الاستعجالية المتخذة لضمان احترام الزمن المدرسي وتكافؤ الفرص بين التلاميذ، سواء داخل هذه المؤسسات أو خارجها، وعن حقيقة الخصاص المسجل في الموارد البشرية والتجهيزات والمقررات الدراسية، وآليات التتبع والتقييم المعتمدة في تنزيل المشروع.

في خضم هذا الجدل، أعلنت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، في بلاغ رسمي، أنها باشرت تحرياتها فور علمها بتسريب بعض مواضيع المراقبة المستمرة الخاصة بالمرحلة الثالثة من الأسدوس الأول والامتحان الموحد المحلي بمؤسسات الريادة بسلك التعليم الابتدائي، بعد تداولها على بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

وأفادت الوزارة أنه تقرر إعادة إجراء الامتحان الموحد المحلي وفروض المراقبة المستمرة للمرحلة الثالثة من الأسدوس الأول بالنسبة للمواضيع الكتابية المسربة، التي كانت مبرمجة يوم الثلاثاء 20 يناير 2026، كما تقرر تأجيل إجراء الامتحان الموحد وفروض المراقبة المستمرة الكتابية للمواد المسربة التي كانت مبرمجة يوم الأربعاء 21 يناير 2026، على أن يتم لاحقا إصدار التوجيهات الضرورية لتنظيم هذه الاستحقاقات.

وأكدت الوزارة أن هذه القرارات اتخذت بعد التنسيق مع الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وتكريسا لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع التلميذات والتلاميذ، مشددة على أنها باشرت الإجراءات والتدابير القانونية اللازمة في حق كل من ثبت تورطه، بشكل مباشر أو غير مباشر، في المس بسلامة ومصداقية هذا الاستحقاق التربوي.

ويعيد هذا التطور الجدل من جديد حول مدى جاهزية مشروع مدارس الريادة للتعميم، وحول قدرة الوزارة الوصية على ضبط تنزيله ميدانيا بما ينسجم مع الخطاب الرسمي المروج له، في ظل تساؤلات متزايدة حول الحكامة، وجودة التدبير، واحترام حقوق المتعلمين والأطر التربوية، وهي أسئلة مرشحة لمزيد من التصعيد داخل البرلمان ومع الفاعلين التربويين خلال المرحلة المقبلة.

آخر الأخبار