هل أخفقت السياسات العمومية في تنزيل إصلاح المنظومة الصحية؟
يواجه القطاع الصحي الوطني خلال السنوات الأخيرة تحديات متراكمة كشفت بوضوح عن عمق الاختلالات البنيوية التي ما تزال تعيق تحقيق الأهداف المعلنة لإصلاح المنظومة الصحية، رغم تعدد البرامج والاستراتيجيات التي جرى الإعلان عنها في فترات متعاقبة.
فقد أفرز الواقع اليومي داخل عدد كبير من المستشفيات والمرافق الصحية صورة مقلقة تعكس حجم الفجوة بين الخطاب الإصلاحي والممارسة الفعلية، في ظل ضغط متزايد على البنيات الاستشفائية العمومية، ونقص ملحوظ في الموارد البشرية المؤهلة، وضعف شروط العمل والتجهيز في عدد من المؤسسات الصحية.
وتتجلى هذه الإكراهات بشكل واضح في معاناة المرتفقين الذين يجدون أنفسهم أمام صعوبات متكررة في الولوج إلى العلاج، وطول فترات الانتظار، ونقص الخدمات الأساسية، كما تمتد آثارها إلى مهنيي الصحة الذين يشتغلون في ظروف وُصفت في أكثر من مناسبة بالصعبة، سواء من حيث كثافة العمل أو محدودية الإمكانات المتاحة، الأمر الذي ينعكس سلبًا على جودة التكفل بالمرضى وعلى الاستقرار المهني داخل القطاع.
وفي هذا السياق، ما فتئت فرق المعارضة البرلمانية تثير، داخل قبة البرلمان، اختلالات متعددة تطال المنظومة الصحية، سواء في القطاع العمومي أو الخاص، محذّرة من أن استمرار هذه الأوضاع يهدد مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص في الاستفادة من الخدمات الصحية، ويقوّض الثقة في السياسات العمومية المعتمدة.
وقد تعزز هذا النقاش بتقارير رقابية رسمية كشفت عن تأخر واضح في تنفيذ عدد من الإصلاحات الموصى بها منذ سنوات.
وفي آخر تحديث له، أبرز المجلس الأعلى للحسابات أن مجموعة من التوصيات الصادرة في إطار مهمة تقييم عملية التكفل بالنساء الحوامل على وشك الولادة وبالمواليد الجدد لم تعرف أي تقدم ملموس، رغم ما تحمله من أهمية بالغة في حماية صحة فئة هشة تشكل ركيزة أساسية لأي منظومة صحية فعالة.
وأشار المجلس، في تقريره السنوي برسم 2024-2025، إلى أن هذه التوصيات همّت تأهيل المؤسسات الصحية المعنية من خلال تحسين البنيات التحتية، وتوفير التجهيزات الضرورية، وتعزيز الموارد البشرية المؤهلة، وضمان التموين الكافي بالأدوية والمستلزمات الطبية، بما يمكن هذه المؤسسات من أداء مهامها وفق المعايير المطلوبة.
وسجل التقرير ذاته أن التوصيات المتعلقة بضمان الصيانة المنتظمة للمباني ونظافتها، وصيانة المعدات وتعقيمها، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، لم تُنفذ بالشكل الكافي، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على جودة التكفل بالنساء الحوامل والمواليد الجدد، ويطرح تساؤلات حول نجاعة آليات التتبع والتنفيذ داخل القطاع.
كما لاحظ المجلس تأخرًا في تنفيذ التوصية المرتبطة باحترام مختلف مراحل مسار الرعاية الطبية، لا سيما ما يتعلق بالفحوصات السابقة واللاحقة للولادة، والتحاليل البيولوجية، والفحوصات بالأشعة، وتتبع عملية المخاض، والتكفل بالحالات التي تعاني من مضاعفات صحية، إضافة إلى احترام المدة الزمنية المحددة للإقامة بعد الولادة.
وامتدت ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات إلى تدبير عدد من المراكز الاستشفائية الجهوية والإقليمية، حيث سجل عدم استكمال تنفيذ التوصيات المرتبطة بتقييم تدبير تسعة مراكز استشفائية، شملت مراكز جهوية بكل من وجدة والراشيدية وأكادير والداخلة، ومراكز إقليمية بكل من العرائش والقنيطرة وورززات وخريبكة وكلميم.
وتتعلق هذه التوصيات أساسًا بتحسين شروط استقبال المرضى وتوجيههم والتكفل بهم بشكل لائق، وإرساء نظام معلوماتي فعال لدعم أنشطة المستشفيات، وتأهيل البنيات التحتية، وتزويد المراكز بالموارد البشرية والمعدات الضرورية، وضمان التموين المنتظم بالأدوية والمستلزمات الطبية.
وفي ما يخص تدبير الموارد البشرية بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، كشف التقرير أن الوزارة لم تستكمل بعد تنفيذ أي من التوصيات الصادرة عن المجلس، رغم ما تحمله من أهمية استراتيجية لمعالجة الخصاص الحاد في الأطر الطبية والتمريضية.
وقد ركزت هذه التوصيات على ضرورة اعتماد آليات فعالة لتعزيز الموارد البشرية الصحية، خاصة في مجالات علاجات القرب، مع إيلاء اهتمام خاص للمناطق القروية والنائية، ووضع حوافز مشجعة لاستقرار الأطر الصحية بها، إلى جانب تعزيز هيئة الأطباء العامين وتطوير التخصصات ذات الأولوية بما يتلاءم مع الحاجيات الحقيقية للسكان، واعتماد سياسة متكاملة لحركية الموارد البشرية تضمن توزيعًا متوازنًا بين الجهات.
كما توقف المجلس عند منظومة التكوين الأساسي في مهن الصحة، مسجلاً أن التوصية المتعلقة بوضع وتنفيذ إصلاح شامل لمسارات الدراسات الطبية والصيدلانية وطب الأسنان لم تعرف بدورها تقدمًا ملموسًا، رغم دورها المحوري في الرفع من جودة التكوين وضمان ملاءمته مع متطلبات المنظومة الصحية الوطنية.
وكان من المفترض أن يشمل هذا الإصلاح مراجعة شروط الولوج، وتطوير المناهج البيداغوجية، وإدماج أساليب التعلم الحديثة، بما يسهم في إعداد كفاءات قادرة على الاستجابة للتحديات الصحية الراهنة والمستقبلية.
وعلى مستوى الحكامة الرقمية، أشار التقرير إلى أن عدداً من التوصيات المرتبطة بتقييم النظام المعلوماتي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية لا تزال في طور الإنجاز، رغم تأثيرها المباشر في تحسين تدبير القطاع.
وتشمل هذه التوصيات ضرورة تعميم البرامج المعلوماتية الملائمة لتغطية العمليات المهنية الأساسية، وتعزيز تخطيط المشاريع الرقمية من خلال إعداد تصميم مديري متكامل لنظام المعلومات، مع الحرص على تنفيذ مضامينه بشكل فعال.