جدل مشروع بـ15 مليار سنتيم يؤجج رفض المنتخبين بالدار البيضاء
يشهد مجلس جماعة الدار البيضاء حالة من الجدل الواسع والانقسام الواضح، على خلفية إدراج مشروع إحداث فضاء رياضي وثقافي مخصص للألعاب والرياضات الإلكترونية ضمن جدول أعمال الدورة العادية لشهر فبراير، وهو المشروع الذي تُقدّر كلفته المالية بحوالي 15 مليار سنتيم، ويُرصد له وعاء عقاري عمومي تبلغ مساحته نحو 3000 متر مربع، مملوك لجماعة الدار البيضاء، الأمر الذي فجّر موجة من التساؤلات والانتقادات داخل الأوساط السياسية والمنتخبة بالعاصمة الاقتصادية.
وبحسب معطيات "الجريدة 24"، فإن المشروع المقترح يندرج ضمن اتفاقية شراكة تجمع وزارة الشباب والثقافة والاتصال بكل من جماعة الدار البيضاء ومجلس العمالة، مع مشاركة ولاية جهة الدار البيضاء–سطات وعمالة الدار البيضاء، إلى جانب انتداب شركة التنمية المحلية “الدار البيضاء للتهيئة” للإشراف على الجوانب التقنية والتنزيل الميداني، على أن يُقام الفضاء المزمع إحداثه بموقع سوق الجملة القديم، أحد أبرز الأوعية العقارية العمومية بالمدينة.
غير أن هذا التوجه لم يحظَ بالإجماع داخل مجلس الجماعة، حيث عبّر عدد من المنتخبين ورؤساء المقاطعات عن رفضهم إدراج المشروع بهذه الصيغة، معتبرين أن الدار البيضاء، باعتبارها العاصمة الاقتصادية للمملكة، في أمسّ الحاجة إلى مشاريع اجتماعية وبنيوية ذات طابع استعجالي، تستجيب لانتظارات الساكنة، خاصة في الأحياء والمقاطعات التي تعاني خصاصًا واضحًا في البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، دعا رئيس مقاطعة عين السبع، يوسف لحسينية، بشكل صريح إلى التصويت بالرفض على مشروع تهيئة قاعة للألعاب الإلكترونية، وذلك من خلال تدوينة نشرها على حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، شدد فيها على ضرورة توجيه الاعتمادات المالية الضخمة نحو أولويات أكثر إلحاحًا، بدل رصدها لمشروع اعتبره غير ذي أولوية في الظرفية الراهنة.
وأثار مضمون الاتفاقية المقترحة استغراب عدد من المستشارين الجماعيين، خاصة بعد اطلاعهم على تفاصيلها، حيث سجّلوا غياب الجامعة الملكية المغربية للألعاب الإلكترونية عن لائحة الشركاء، رغم كونها الجهة الرسمية المؤطرة لهذا المجال، وهو ما اعتبره منتخبون إخلالًا بمبدأ الحكامة التشاركية وتجاوزًا لدور مؤسسة يفترض أن تكون حاضرة في إعداد وتنفيذ مشاريع من هذا النوع.
وتصاعد منسوب التوتر خلال اجتماع لجنة التعاون والشراكات التابعة لمجلس جماعة الدار البيضاء، الذي انعقد يوم الجمعة الماضي، حيث طغى السجال الحاد وتبادل الاتهامات بين الأعضاء، في ظل اتهامات بمحاولة تمرير الاتفاقية دون فتح نقاش معمق حول مضامينها، ودون استحضار حجم الالتزامات المالية والعقارية المترتبة عنها، ولا سيما أن المشروع يهم تفويت استغلال جزء مهم من الملك العمومي.
وخلال أشغال الاجتماع، دعا رئيس لجنة التعاون والشراكات، مصطفى منضور، المستشار الجماعي عن حزب التقدم والاشتراكية، إلى التعجيل بالتصويت على النقطة المدرجة، مبررًا ذلك بإطالة النقاش وضرورة احترام الآجال الزمنية للاجتماع، وهو ما قوبل برفض عدد من الأعضاء الذين اعتبروا هذا التوجه مساسًا بحقهم في النقاش والتداول، خاصة وأن الأمر يتعلق باتفاقية وُصفت بالثقيلة من حيث الكلفة المالية وحجم الرهانات المرتبطة بها.
وسرعان ما تحوّل النقاش داخل القاعة إلى حالة من الفوضى، بعدما عبّر عدد من المستشارين عن شعورهم بالغبن، متسائلين عن الكيفية التي يمكن بها تمرير اتفاقية شراكة بقيمة 15 مليار سنتيم، تُمنح بموجبها مساحة عقارية شاسعة من الملك العمومي، دون إخضاعها لدراسة دقيقة ونقاش جدي ومسؤول، ودون الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات التي سبق إثارتها في مناسبات سابقة بخصوص المشروع ذاته.
ويأتي هذا الجدل في وقت سبق فيه لمجلس الجماعة أن رفض نسخة أولية من الاتفاقية خلال دورة أكتوبر الماضية، حيث تمت المطالبة آنذاك بتأجيلها من أجل تعميق الدراسة وإدخال تعديلات جوهرية تراعي ملاحظات المنتخبين، خصوصًا ما يتعلق بجدوى المشروع، وطبيعة الشركاء، وآليات الاستفادة من الفضاء العمومي وضمان المصلحة العامة.
وأفادت مصادر "الجريدة 24"، بأن الاتفاقية، بدل أن تُعاد إلى لجنة الشؤون الثقافية والرياضية، التي ناقشت المشروع في صيغته الأولى وقدّمت بشأنه مجموعة من التوصيات، جرى توجيهها إلى لجنة التعاون والشراكات، في خطوة وصفها بعض المستشارين بـ”الالتفاف الإجرائي”، معتبرين أنها تهدف إلى تسهيل تمرير المشروع دون العودة إلى النقاشات السابقة أو إدخال التعديلات المطلوبة.
وأضافت المصادر ذاتها أن اختيار لجنة التعاون والشراكات لم يكن اعتباطيًا، بل ارتبط باعتبارات تتعلق بسرعة المسطرة وإمكانية المصادقة بأقل قدر من الاعتراضات، وهو ما عمّق الشكوك داخل أوساط عدد من المنتخبين، الذين طالبوا بضرورة إعادة الاتفاقية إلى مسارها الطبيعي، وربط أي مصادقة محتملة بضمان الشفافية وتوضيح معايير الاستفادة وتحديد المسؤوليات بدقة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه أشغال الدورة العادية لشهر فبراير، يظل مشروع إحداث فضاء رياضي وثقافي مخصص للألعاب الإلكترونية بالدار البيضاء موضوع نقاش محتدم، بين من يراه استثمارا في مجالات ثقافية ورياضية حديثة، ومن يعتبره مشروعا يفتقر إلى الوضوح، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول أولويات التنمية الحضرية، وحسن تدبير المال العام، وكيفية استغلال الملك الجماعي بما يخدم المصلحة العامة لساكنة العاصمة الاقتصادية.