بعد فيضانات وادي اللوكوس.. أسئلة برلمانية وضغوط سياسية لتفعيل صندوق الكوارث

الكاتب : انس شريد

01 فبراير 2026 - 10:30
الخط :

في خضم التساقطات المطرية الغزيرة التي عرفها شمال المملكة خلال الأيام الأخيرة، عادت الفيضانات العنيفة بإقليم العرائش لتفرض نفسها بقوة على واجهة النقاش العمومي، كاشفة مرة أخرى عن عمق إشكالية هشاشة البنيات التحتية وحدود جاهزية منظومة التدبير العمومي لمواجهة الكوارث الطبيعية، خاصة في المناطق المعرضة تاريخيا لمخاطر الفيضانات.

وقد تصدرت مدينة القصر الكبير ونواحيها المشهد، بعدما ارتفع منسوب مياه وادي اللوكوس بشكل مقلق، محدثا حالة من الاستنفار والقلق وسط الساكنة.

ولم تعد هذه الفيضانات مجرد ظاهرة مناخية موسمية، بل تحولت إلى حدث استثنائي حمل في طياته مؤشرات مقلقة، بالنظر إلى حجم الخسائر التي خلفها والأضرار التي طالت المساكن والبنية التحتية والأراضي الفلاحية، فضلا عن التهديد المباشر لسلامة المواطنين وممتلكاتهم.

مشاهد الغمر الجزئي والكلي لبعض الأحياء، وانقطاع المسالك الطرقية، وتضرر شبكات التطهير، أعادت إلى الأذهان سيناريوهات سابقة لم يتم استيعاب دروسها بالشكل الكافي، ما طرح أسئلة حارقة حول نجاعة التدابير الاستباقية وفعالية سياسات الوقاية من المخاطر.

أمام هذا الوضع، تصاعدت الأصوات المطالبة بتدخل حكومي عاجل، حيث دعت المنظمة الديمقراطية للشغل إلى إعلان إقليمي العرائش والقصر الكبير مناطق منكوبة، معتبرة أن حجم الأضرار المسجلة تجاوز بكثير قدرات التدبير المحلي، ويستدعي تفعيل آليات استثنائية لمواجهة تداعيات الكارثة.

وأعربت المنظمة عن بالغ قلقها إزاء ما وصفته بالوضع الكارثي الذي تعيشه ساكنة الإقليمين، مشيرة إلى الخسائر الفادحة التي مست ممتلكات المواطنين ومصادر رزقهم، في سياق مناخي ينذر بإمكانية امتداد الأضرار إلى مناطق أخرى.

وأكدت المنظمة أن مسؤولية حماية المواطنين وضمان أمنهم الاجتماعي والغذائي تقع على عاتق الحكومة، وفق ما ينص عليه الدستور والقوانين الجاري بها العمل، مشددة على ضرورة تصنيف المناطق المتضررة كمناطق منكوبة، لما يتيحه ذلك من تسريع لتفعيل صندوق مكافحة الآثار الناجمة عن الكوارث الطبيعية، وتجاوز التعقيدات المسطرية التي غالبا ما تؤخر وصول الدعم إلى مستحقيه.

كما طالبت بتبني خطة طوارئ شاملة، تتضمن تخصيص ميزانية استثنائية لتعويض المتضررين، وإعادة تأهيل البنيات التحتية المتضررة، وتعزيز الدعم اللوجستيكي عبر تعبئة فرق إضافية من الوقاية المدنية والأطقم الصحية، إلى جانب توفير معدات تقنية قادرة على التحكم في الوضع.

وفي السياق نفسه، برز تفاعل سياسي وبرلماني مع تطورات الوضع، حيث طالبت الأمانة العامة لحزب الحركة الشعبية بالتعجيل بإعمال صندوق التعويض عن الكوارث الطبيعية، مع مراجعة شروطه التنظيمية التي وصفتها بالتعجيزية، وتبسيط معايير الاستفادة منه.

ودعا الحزب إلى تسريع إخراج قانون الجبل وإحداث وكالة وطنية للمناطق الجبلية، مع تقييم شامل للسياسات العمومية المعتمدة في مجال تدبير المخاطر، مؤكدا أن الأولوية القصوى تظل لإنقاذ الساكنة المتضررة وإسعافها وإيوائها، وفتح الطرق والمسالك المغلقة، خاصة في المناطق القروية والجبلية التي تواجه هشاشة مضاعفة أمام التقلبات المناخية.

كما وجه الحزب نداء إلى الساكنة بضرورة توخي الحيطة والحذر، في ظل توقعات باستمرار التساقطات المطرية، معبرا في الآن ذاته عن شكره وامتنانه لجلالة الملك محمد السادس على التعليمات السامية الرامية إلى دعم ساكنة المناطق المتضررة، وتسخير مختلف الوسائل البشرية واللوجستية لحمايتها.

وأشاد بالمجهودات التي تبذلها القوات المسلحة الملكية ومختلف الأجهزة الأمنية والوقاية المدنية والهلال الأحمر المغربي والطواقم الطبية وفعاليات المجتمع المدني، منوها بالحس التضامني الذي أبان عنه المواطنون في مؤازرة المتضررين.

ومن داخل المؤسسة التشريعية، طالبت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، بإعلان مدينة القصر الكبير منطقة منكوبة، مسجلة في سؤال كتابي موجه إلى وزير الداخلية أن خصوصية الوضع تتجلى في الطابع الجغرافي للمنطقة، التي تصبح بعض مجالاتها شبه محاصرة بالمياه عند ارتفاع المنسوب، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالأراضي الفلاحية، وما قد يترتب عنها من انعكاسات اقتصادية واجتماعية.

ونبهت البرلمانية إلى أن المخاطر لا تقتصر على القصر الكبير وحدها، بل تمتد إلى مناطق أخرى بالغرب، ما يفرض اعتماد مقاربة شمولية ومنصفة في التدخل، قائمة على الاستعجال في إغاثة المتضررين وتأمينهم وتوفير حاجياتهم الأساسية، مع اتخاذ قرارات استثنائية تسمح بتعبئة الموارد بالسرعة المطلوبة.

وبين هذا الجدل السياسي والمؤسساتي، تتواصل التعبئة الميدانية بمدينة القصر الكبير وباقي المناطق المتضررة بإقليم العرائش، حيث انتشرت فرق التدخل مدعومة بالآليات والموارد البشرية في عدد من النقاط الحساسة، خاصة بمداخل المدينة والأحياء المهددة بالغمر.

وقد جرى تنفيذ تدخلات وُصفت بالسريعة والفعالة، شملت إقامة حواجز رملية على ضفاف وادي اللوكوس، وتصريف مياه الأمطار من الأحياء المنخفضة، وتنقية قنوات المياه العادمة، بتنسيق بين السلطات الإقليمية والجماعات الترابية ووكالة الحوض المائي اللوكوس والشركة الجهوية متعددة الخدمات والمديرية الإقليمية للتجهيز والماء.

كما باشرت فرق الوقاية المدنية تدخلات مكثفة داخل الأحياء المتضررة، مع إعطاء الأولوية للحالات المستعجلة، في وقت وضعت فيه فرق الهلال الأحمر المغربي إمكاناتها رهن إشارة الساكنة عند الاقتضاء. وتتابع لجنة اليقظة، برئاسة عامل إقليم العرائش، تطورات الوضع عن كثب منذ الأيام الأولى للأزمة، في مسعى لضمان التنسيق المحكم بين مختلف المتدخلين وتأمين السير الجيد لعمليات التدخل.

وبينما تتواصل هذه الجهود، يظل ملف الفيضانات مطروحا بإلحاح على طاولة المسؤولين، ليس فقط من زاوية التدبير الآني للأزمة، بل أيضا من منظور استراتيجي يقتضي معالجة جذرية لأسباب الهشاشة، وإعادة التفكير في سياسات التهيئة الحضرية والقروية، وتحيين مخططات الوقاية من المخاطر، بما يحصن المنطقة من تكرار سيناريوهات مماثلة.

آخر الأخبار