الفوارق المجالية تتفاقم.. المعارضة تتهم أغلبية الدار البيضاء–سطات بسوء التدبير
في ظل اتساع رقعة الفوارق المجالية وتعثر عدد من الأوراش التنموية، تتواصل معاناة ساكنة جهة الدار البيضاء–سطات مع اختلالات بنيوية تمس تفاصيل حياتها اليومية، وتغذي حالة من التذمر الاجتماعي والسياسي، خاصة في ظل اتهامات متزايدة للأغلبية المسيرة للجهة بسوء التدبير وتغليب منطق الحسابات الانتخابية على متطلبات التنمية المتوازنة.
وتعد صعوبة التنقل اليومي نحو مدينة الدار البيضاء من أبرز الإشكالات التي ترهق آلاف المواطنين، سواء تعلق الأمر بالعمال أو الطلبة أو المرضى، في ظل ضعف منظومة النقل العمومي وغياب حلول عملية ومستدامة قادرة على تخفيف الضغط عن المحاور الطرقية الحيوية، وهو ما يجعل زمن التنقل يمتد لساعات طويلة، خصوصاً خلال فترات الذروة، ويؤثر سلباً على المردودية الاقتصادية والاجتماعية للجهة.
وبموازاة ذلك، تعاني مناطق واسعة، خاصة القروية وشبه الحضرية، من نقص حاد في الإنارة العمومية، الأمر الذي ينعكس على الإحساس بالأمن، ويزيد من هشاشة الفضاءات السكنية ليلاً، إضافة إلى تدهور حالة المسالك الطرقية، التي تتحول مع أولى التساقطات المطرية إلى مقاطع معزولة يصعب الولوج إليها، ما يعمق معاناة الساكنة ويعرقل تدخل سيارات الإسعاف والخدمات الأساسية في الحالات الاستعجالية.
وفي خضم هذا الوضع، تصاعدت انتقادات المعارضة السياسية، حيث رسمت الكتابة الجهوية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بجهة الدار البيضاء–سطات صورة قاتمة لتدبير الشأن الجهوي، معتبرة أن الأغلبية المسيرة أخفقت في الاضطلاع بدورها في قيادة قاطرة التنمية، رغم الإمكانات الاقتصادية والبشرية التي تزخر بها الجهة، والتي تعد من بين أكبر المساهمين في الثروة الوطنية.
وأشارت الكتابة الجهوية، عقب اجتماعها العادي المنعقد يوم أمس الثلاثاء، إلى أن الجهة لم تسلم من أعطاب عميقة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، مسجلة تفاقم التباينات المجالية داخل ترابها، ومعتبرة أن هذه الاختلالات لا تعكس فقط تفاوتاً في إنتاج الثروة، بل ترتبط أيضاً بسلوكات حزبية ضيقة يعلو فيها الانتماء الانتخابي على خدمة الصالح العام.
وانتقد الاتحاد الاشتراكي ما وصفه بـ”تغول” التحالف الثلاثي المسير، الذي يضم أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، معتبراً أن هذا التحالف، الذي يعكس صورة مصغرة للأغلبية الحكومية، يعاني من عجز بنيوي في تدبير شؤون الجهة، ما أدى إلى تراجع ملموس في سلطة المنتخب لصالح سلطات التعيين، وإلى اضطرار هذه الأخيرة إلى تدبير تناقضات أغلبيات متناحرة، في ظل تغليب منطق المردودية الانتخابوية على متطلبات المشروعية والاستجابة لحاجيات الساكنة.
كما سجلت الكتابة الجهوية ما اعتبرته “معاقبة” لساكنة عدد من الجماعات الترابية، من ضمنها جماعات يسيرها الاتحاد الاشتراكي، على خلفية اختياراتها الانتخابية السابقة، من خلال حرمانها من مشاريع وبرامج المخطط الجهوي للتنمية، في خرق لمبادئ العدالة المجالية والاجتماعية، ولمقتضيات الدستور التي تضمن المساواة في الولوج إلى الخدمات الأساسية.
ولم تفت المعارضة التنبيه إلى تغييب البعد الإنساني في التعامل مع الطوارئ الاجتماعية ونزاعات السكن، وعدم مراعاة الأوضاع المعيشية الهشة لشرائح واسعة من المواطنين، خاصة في المناطق القروية وشبه الحضرية، حيث تتقاطع الهشاشة الاجتماعية مع ضعف البنيات التحتية وندرة فرص الشغل.
ويأتي هذا التصعيد السياسي في سياق مطبوع بالتحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث تسعى الأحزاب المعارضة إلى إعادة التموقع داخل جهة الدار البيضاء–سطات، وتقديم نفسها كبديل قادر على تصحيح اختلالات التدبير الجهوي، والدفع نحو نموذج تنموي أكثر عدالة وإنصافاً، يستجيب لانتظارات الساكنة ويحد من اتساع الفوارق المجالية.
وعلى المستوى التنظيمي، أعلنت الكتابة الجهوية للاتحاد الاشتراكي انخراطها في الدينامية التي أقرتها القيادة الوطنية للحزب، مؤكدة عزمها عقد المجلس الجهوي في أفق قريب، وإعداد برنامج عمل يهم تنشيط الهياكل الإقليمية وتجديد الفروع، في محاولة لتعزيز الحضور التنظيمي والإشعاع السياسي داخل جهة تشكل رهانا استراتيجيا في المشهد السياسي الوطني.
وبين استمرار معاناة الساكنة وتبادل الاتهامات بين مكونات المشهد الحزبي، تظل جهة الدار البيضاء–سطات أمام تحديات كبرى تفرض إعادة النظر في طرق تدبير الشأن الجهوي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتغليب منطق العدالة المجالية والتنمية المستدامة، كمدخل أساسي لاستعادة ثقة المواطنين وتحقيق تنمية حقيقية لا تترك أحداً خلف الركب.