اختلالات هيكلية تضغط على ملف التقاعد وتعيدها إلى دائرة المشاورات
عاد ملف إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب ليتصدر واجهة النقاش العمومي بقوة، في ظل مؤشرات مقلقة بشأن مستقبل الصناديق التقاعدية وقدرتها على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها تجاه المتقاعدين الحاليين والمستقبليين، وسط سياق اقتصادي واجتماعي يتسم بتزايد الضغوط المالية وارتفاع كلفة المعيشة وتنامي المطالب الاجتماعية.
هذا النقاش المتجدد لم يعد محصورًا في الدوائر التقنية أو الحكومية، بل أصبح محور اهتمام النقابات والبرلمان والرأي العام، بالنظر إلى ما يحمله من أبعاد اجتماعية ومالية تمس فئات واسعة من المواطنين.
وفي هذا الإطار، أعلنت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل عن مستجدات جديدة مرتبطة بملف التقاعد، عقب اجتماع اللجنة التقنية المكلفة بهذا الملف، والذي انعقد يوم الثلاثاء الماضي بالمقر الاجتماعي للصندوق المغربي للتقاعد.
ويأتي هذا الاجتماع في سياق مواصلة أشغال اللجنة الرامية إلى الوقوف على الوضعية التنظيمية والقانونية والمالية والتقنية لأنظمة التقاعد، ولا سيما نظام المعاشات المدنية، مع التركيز على تشخيص دقيق للوضعية الحالية واستشراف آفاقها المستقبلية.
وخلال هذا الاجتماع، قدم مسؤولو الصندوق المغربي للتقاعد عرضا مفصلا اعتمد نفس منهجية التشخيص السابقة، وتناول أربعة محاور أساسية، همت في بدايتها تقديم عرض عام حول الصندوق، شمل الجوانب القانونية والتنظيمية والتقنية، إلى جانب تسليط الضوء على مهامه ووضعه المؤسساتي داخل منظومة الحماية الاجتماعية.
ووفقا لما كشفت عنه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، في بلاغها حيث تم التطرق إلى نظام المعاشات المدنية من خلال تقديم معطيات دقيقة حول الخدمات المقدمة ونسب الانخراط، فضلاً عن استعراض الآثار المترتبة عن الإصلاحات المقياسية التي خضع لها الصندوق خلال السنوات الأخيرة.
وفي محور آخر، تناول العرض مسألة تدبير المحفظة المالية للصندوق، حيث قدم المسؤولون أرقامًا ومعطيات حول السياسة الاستثمارية المعتمدة، وأشكال توظيف مدخرات الصندوق، ومستوى مردودية هذه الاستثمارات، في سياق يتسم بتقلبات اقتصادية وضغوط متزايدة على الموارد.
كما تم، في المحور الأخير، عرض معطيات مرتبطة بالميزانيات المالية، ونسب المعاشات المقدمة، ومؤشرات الاستدامة، إضافة إلى الاستناد إلى الدراسات الاكتوارية باعتبارها أداة أساسية لتقييم ديمومة النظام وقدرته على الصمود على المدى المتوسط والبعيد.
وأكد ممثلو الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، خلال هذا اللقاء، على ضرورة تصحيح التناقضات التي كشفت عنها بعض الأرقام والمعطيات المقدمة، مشددين على أهمية توفير معطيات رسمية دقيقة حول أداء الدولة بخصوص مستحقاتها المتأخرة تجاه الصندوق.
كما جددوا التأكيد على أن أي مقاربة إصلاحية ينبغي أن تكون شمولية ومتكاملة، تستهدف معالجة الاختلالات التدبيرية والتوظيفية، مع ضمان ديمومة الصندوق دون تحميل المنخرطين وحدهم كلفة الإصلاح.
وفي السياق ذاته، اعتبرت الكونفدرالية أن ضمان استدامة أنظمة التقاعد لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال العودة إلى الصيغ القديمة للاحتساب، أو الرفع من نسب الانخراط المبنية على مساهمات الثلثين للمشغل والثلث للأجراء، بل يتطلب تصورًا إصلاحيًا أوسع يراعي العدالة الاجتماعية ويحفظ المكتسبات.
ودعت إلى الرفع من معاشات المتقاعدين، وتحقيق المساواة في الحد الأدنى للمعاش بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب العمل على تقوية الترسانة القانونية للصندوق ومنحه الشخصية القانونية الكاملة بما يضمن تحسين حكامته وتدبير ممتلكات المنخرطين.
وشددت الكونفدرالية كذلك على أهمية توسيع قاعدة المنخرطين من خلال إطلاق عمليات تشغيل منظمة، باعتبار ذلك أحد المداخل الأساسية لإعطاء دفعة إصلاحية حقيقية للصندوق دون المساس بحقوق المنخرطين. وفي ختام الاجتماع، جددت التأكيد على موقفها الثابت الرافض لأي إصلاح يمس بالمكتسبات الاجتماعية أو ينعكس سلبًا على القدرة الشرائية للطبقة العاملة، مؤكدة استمرارها في الدفاع عن مقاربة إصلاحية عادلة ومتوازنة.
وتأتي هذه التطورات في وقت عزز فيه المجلس الأعلى للحسابات بدوره من حدة النقاش، من خلال تقريره السنوي برسم 2024-2025، الذي حذر من الضغوط المتزايدة على المالية العمومية، مشيرًا إلى أن ميزانية سنة 2024 عرفت ارتفاعًا ملحوظًا في النفقات استدعى فتح اعتمادات إضافية بلغت 14 مليار درهم.
وأوضح التقرير أن هذه الضغوط مرشحة للتفاقم بفعل التحديات الاجتماعية والمناخية، إلى جانب المشاريع الكبرى المبرمجة، ما يضع التوازنات المالية أمام اختبارات صعبة خلال السنوات المقبلة.
وعلى مستوى الموارد، سجل التقرير تحسنًا في العائدات الضريبية بنسبة 14,5 في المائة، فضلاً عن اللجوء إلى التمويلات المبتكرة التي ارتفعت بنحو 10 مليارات درهم مقارنة بسنة 2023، غير أنه شدد على ضرورة إخضاع هذه الآليات لدراسات جدوى دقيقة لتفادي المخاطر وضمان مردودية الاستثمارات.
كما أبرز مفارقة لافتة في علاقة الدولة بالمؤسسات والمقاولات العمومية، حيث لم تتجاوز الموارد المتأتية منها 16,6 مليار درهم خلال سنة 2024، مقابل تحويلات مالية لفائدتها بلغت 41,6 مليار درهم.
وفي صلب هذا السياق المالي الضاغط، نبه المجلس الأعلى للحسابات إلى خطورة التأخر في إصلاح منظومة التقاعد، مشيرًا إلى أن نظام المعاشات المدنية سجل عجزًا تقنيًا قدره 7,2 مليار درهم مع نهاية سنة 2024، مع مخاطر حقيقية بنفاد احتياطاته في أفق 2030، رغم التحسن النسبي في مساهمات المنخرطين الناتج عن الزيادات في أجور موظفي القطاع العام خلال سنتي 2024 و2025.
وبين تحذيرات المؤسسات الرقابية ومواقف النقابات، يتأكد أن ملف التقاعد بات في قلب معادلة اجتماعية ومالية دقيقة، تستدعي حوارًا وطنيًا جادًا ومسؤولًا، يقوم على تشخيص واقعي وتوافقات اجتماعية، ويهدف إلى بلورة إصلاح يضمن ديمومة الأنظمة التقاعدية ويحفظ في الآن ذاته كرامة المتقاعدين وحقوق الأجيال المقبلة.