المعارضة تفجر ملف تفويت بقع أرضية بالدار البيضاء وتكشف أرقاما صادمة
في خضم النقاشات المحتدمة التي تشهدها الساحة السياسية المحلية بمدينة الدار البيضاء، عاد ملف تفويت بقع أرضية تابعة للجماعة بأثمنة وُصفت بالبخسة ليتصدر واجهة الجدل داخل مجلس المدينة، مثيرًا موجة من الانتقادات الحادة والاتهامات المتبادلة بين مكونات الأغلبية والمعارضة، في سياق يضع تدبير العقار العمومي مرة أخرى تحت مجهر المساءلة السياسية والرقابة المجتمعية.
هذا الملف، الذي تفجر خلال أشغال الدورة العادية لشهر فبراير، لم يعد مجرد نقاش تقني حول أرقام أو تقييمات عقارية، بل تحول إلى عنوان عريض لإشكالات أعمق تتعلق بالحكامة، وحماية المال العام، ومدى احترام المساطر القانونية المؤطرة لتدبير الممتلكات الجماعية في كبرى مدن المملكة.
وجاء الجدل الدائر في وقت يعلن فيه المجلس الجماعي للدار البيضاء عن سعيه إلى تعبئة الأوعية العقارية الضرورية لاحتضان مشاريع تنموية مهيكلة، تروم تحسين جودة الخدمات العمومية وتوسيع شبكة التجهيزات الحضرية.
غير أن هذا التوجه، وإن كان في ظاهره يخدم المصلحة العامة، اصطدم بانتقادات قوية من داخل المجلس نفسه، حيث اعتبر عدد من المستشارين أن الطريقة التي تُدبَّر بها بعض عمليات التفويت وإعادة التفويت تفتقر إلى الوضوح وتطرح علامات استفهام كبرى حول المعايير المعتمدة في التقييم والتسعير، وحول الجهات التي تتحمل مسؤولية اتخاذ القرار.
وخلال أشغال الدورة، فجّر المستشار الجماعي مصطفى الحيا، عن حزب العدالة والتنمية نقاشًا وُصف بالحاد، بعدما كشف عن معطيات اعتبرها خطيرة تتعلق بتدبير العقار العمومي داخل تراب مقاطعة المعاريف، خاصة بمنطقة الوازيس، مشيرًا إلى وجود اختلالات واضحة في طريقة تقييم وتسعير عدد من البقع الأرضية.
وأوضح أن الأمر يتعلق بقطعتين أرضيتين اقتنتهما الجماعة في فترات سابقة بثمن لا يتجاوز 30 درهمًا للمتر المربع، وذلك في إطار مشاريع ذات منفعة عامة، من بينها توسيع بعض الشوارع الحيوية، غير أن جزءًا من هذه الأراضي، بحسب المعطيات التي عرضها، لم يتم استغلاله للغرض الذي اقتني من أجله.
هذا الوضع، يضيف المستشار، دفع المالك الأصلي إلى التقدم بطلب رسمي لاسترجاع الجزء غير المستغل، معتبرًا أن استمرار الجماعة في الاحتفاظ به دون توظيف فعلي يطرح إشكالات قانونية وتدبيرية، غير أن المفاجأة كانت، وفق ما كشف عنه داخل المجلس، في الثمن الذي حُدد لإعادة التفويت، حيث جرى تقييم المتر المربع الواحد بما يقارب 31 ألفًا و500 درهم.
وهو ما اعتبره المتحدث رقمًا صادمًا ولا يستند إلى أي منطق واضح، خاصة إذا ما قورن بثمن الاقتناء الأصلي.
مشيرًا إلى أن المتضرر وجد نفسه مضطرًا إلى توجيه رسالة استعطافية إلى الجماعة يلتمس فيها إعادة النظر في الثمن المحدد، نظرًا للفارق الشاسع بين السعرين.
وأكد ذات المتحدث، أن جماعة الدار البيضاء اقترحت تخفيض السعر إلى 500 درهم في المتر المربع، وهو إجراء اعتبره شكليًا ولا يعكس أي إرادة حقيقية لتصحيح الاختلال أو مراعاة مبدأ الإنصاف.
وفي السياق ذاته، كشف المستشار نفسه عن حالة ثانية لا تقل إثارة للجدل، تتعلق بقطعتين أرضيتين بمحاذاة المركب الرياضي محمد الخامس، حيث تم، بحسب المعطيات المعروضة، تخفيض ثمن المتر المربع بشكل مفاجئ من 34 ألف درهم إلى 15 ألف درهم، دون تقديم مبررات واضحة لهذا التغيير الجذري، وهو ما ادى إلى خسارة مالية تُقدَّر بحوالي 48 مليون درهم.
من جانبه، أثار عبد الصمد حيكر، رئيس فريق العدالة والتنمية في المعارضة بمجلس جماعة الدار البيضاء، جملة من الملاحظات المرتبطة بطريقة تدبير ملف العقار الجماعي، مشيرًا إلى أن عددًا مهمًا من عمليات تفويت الأراضي تم بشكل مباشر، في تعارض، بحسب تقديره، مع المقتضيات القانونية التي تشدد على ضرورة احترام قواعد المنافسة والشفافية.
وأكد أن اعتماد التفويت المباشر دون اللجوء إلى آليات التنافس العلني يفتح الباب أمام الشكوك ويقوض الثقة في سلامة التدبير.
كما نبه المتحدث إلى وجود حالات يتم فيها تصنيف قطع أرضية قابلة للبناء ضمن خانة الأراضي غير القابلة للبناء، وهو ما يثير إشكالات تقنية وقانونية مرتبطة بسلامة الإجراءات المعتمدة ومدى انسجامها مع وثائق التعمير والضوابط التنظيمية الجاري بها العمل.
واعتبر أن هذه الوضعيات تستدعي مراجعة شاملة لكيفية تصنيف الأراضي وتدبير الرصيد العقاري للجماعة، خاصة أن بعض العمليات، بحسب ما أشار إليه، تحولت إلى اعتداءات مادية نتيجة عدم استكمال المساطر القانونية قبل الشروع في تنفيذ المشاريع، وهو ما أفضى في حالات معينة إلى صدور أحكام قضائية ضد الجماعة.
وأمام تزايد هذه المعطيات والاتهامات، أعاد النقاش الدائر داخل مجلس مدينة الدار البيضاء طرح أسئلة جوهرية حول أدوات ومعايير تقييم العقار العمومي، وحول ما إذا كانت هذه العمليات تخضع لخبرات مستقلة ومحايدة، ومدى احترامها لمبادئ الشفافية وحماية المال العام.
كما فتح هذا الجدل من جديد نقاشًا حساسًا حول دور المجالس المنتخبة في صيانة الرصيد العقاري الجماعي وضمان توظيفه كرافعة للتنمية المحلية، بدل أن يتحول إلى مصدر للهدر واستنزاف الموارد.