باب زعير: بوابة الجنوب وحارس الذاكرة الرباطية

الكاتب : الجريدة24

23 فبراير 2026 - 05:00
الخط :

أمينة المستاري

في الجهة الجنوبية من أسوار العاصمة الإدارية للمملكة، ينتصب باب زعير شامخا، كأنه صفحة مفتوحة من كتاب التاريخ، يحرس مدينة الرباط منذ قرون. لا يعد الباب مجرد مدخل حجري ضمن سلسلة الأبواب العتيقة، بل هو معبر رمزي بين زمنين: زمن الدولة الموحدية التي أرست دعائم المدينة، وزمن الحاضر الذي يواصل فيه الباب أداء دوره العمراني والرمزي.

لباب زعير جذور موحدية وبصمة سلطانية، شيد خلال القرن الثاني عشر الميلادي، في سياق التحصينات الكبرى التي عرفتها الرباط في عهد الدولة الموحدية، خاصة خلال فترة حكم السلطان يعقوب المنصور الموحدي، الذي أمر بإقامة سور دفاعي ضخم يحيط بالمدينة الناشئة آنذاك.

استمد الباب اسمه من قبائل زعير التي كانت تستقر جنوب الرباط، إذ كان يمثل المنفذ الطبيعي للقوافل التجارية القادمة من السهول الداخلية نحو المدينة وميناء أبي رقراق، وهكذا جمع الباب بين الوظيفة الدفاعية والدور الاقتصادي الحيوي.

من الناحية التقنية، ينتمي باب زعير إلى نمط الأبواب الحربية الموحدية ذات الطابع الدفاعي الصارم، ويمكن إبراز أبرز خصائصه في المواد المستعملة، فقد شيد أساسا بالحجر الرملي المحلي (الحجر الكلسي الرملي)، وهو نفس النوع المستعمل في أسوار الرباط، ما وفر صلابة ومقاومة عالية لعوامل التعري، فيما تتراوح سماكة الجدران بين مترين ومترين ونصف تقريبا، ويبلغ ارتفاعه 10م تقريبا وعمقه 18م وعرض واجهته الداخلية 13م، وواجهته الخارجية 18م، ويشتمل باب زعير على أربعة ممرات ملتوية، وكانت بعض حجراته تحت تصرف الجنود المكلفين بالحراسة ثم مخزنا لمواد البناء التابع لمفتشية المبانى التاريخية بالرباط ، ما يعكس البعد العسكري للمنشأة، أما المدخل فيعتمد نظام الولوج المنكسر، حيث لا يفضي المدخل مباشرة إلى داخل المدينة، بل ينعطف بزاوية قائمة تقريبا.

وكان الهدف من هذا التصميم إبطاء حركة المهاجمين، تسهيل مراقبتهم من الأعلى، تمكين الحراس من التحكم الكامل في عملية الدخول.

ويتشكل المدخل من قوس "حدوة الفرس" المميز للعمارة المغربية الإسلامية، مع بساطة زخرفية مقارنة بباب الرواح مثلا، ما يؤكد طابعه الدفاعي أكثر من الاحتفالي.

أما الأبراج الجانبية، يتصل الباب بالسور عبر كتل بارزة وأبراج مراقبة كانت مخصصة لتمركز الجنود، وتسمح برؤية واسعة للجهة الجنوبية، كما كان الباب يتوفر على ممر علوي للحراسة، مع فتحات للرمي تستعمل في الدفاع.

مع التوسع العمراني الذي شهدته الرباط خلال القرن العشرين، خاصة خلال فترة الحماية الفرنسية وبعد الاستقلال، تغير محيط الباب واندماجه في النسيج الحضري الحديث. ومع ذلك، ظل محافظا على بنيته الأصلية.

وقد خضع الباب لعمليات ترميم وصيانة دورية، شملت: تنظيف الواجهات الحجرية، تقوية الأجزاء المتآكلة، إعادة تثبيت بعض العناصر المتضررة بفعل الرطوبة والتلوث، تحسين الإضاءة الخارجية لإبراز قيمته الجمالية ليلا.

وتندرج هذه الجهود ضمن سياسة الحفاظ على التراث، خاصة بعد إدراج الرباط ضمن قائمة التراث العالمي سنة 2012.

لم يعد باب زعير اليوم خطا دفاعيا يفصل بين الداخل والخارج، بل تحول إلى معلمة تاريخية شاهدة على تطور المدينة، ورغم صخب السير الحديث، ما يزال الباب يحتفظ بروحه الموحدية الصارمة، شاهدا على مرحلة كانت فيها الرباط حصنا عسكريا متقدما على الساحل الأطلسي.

إنه نموذج حي لعبقرية التحصين المغربي في العصر الوسيط، حيث امتزجت الهندسة العسكرية بالبعد الجمالي، ليبقى الحجر صامدا… حارسا لذاكرة مدينة لم تنس أبوابها.

آخر الأخبار