كشف بنك المغرب عن اختلالات بنيوية في توجيه جزء مهم من الموارد العمومية، ولاسيما تلك المتعلقة بالدعم الموجه للفقراء.
واعتبر بنك المغرب أن ما يقارب 50 مليار درهم صرفت خلال سنة 2025 عبر نظام المقاصة والامتيازات الضريبية، دون أن تضمن استفادة الفئات الأكثر هشاشة بالشكل الذي يحقق العدالة الاجتماعية.
ودعا إلى مراجعة آليات الدعم والإعفاءات لضمان وصولها إلى مستحقيها وتحسين مردوديتها الاقتصادية.
وأوضح البنك، في تقريره السنوي لسنة 2025، أن نظام المقاصة، رغم تراجع كلفته إلى 17.7 مليار درهم مقابل 25.3 مليار درهم سنة 2024، ما يزال يعتمد دعما شاملا للأسعار يستفيد منه جميع المستهلكين، وهو ما يجعل الأسر الأكثر دخلا واستهلاكا تحصد النصيب الأكبر من الدعم العمومي مقارنة بالأسر الفقيرة.
وأشار التقرير إلى أن الفوارق في مستويات الإنفاق تكشف محدودية النموذج الحالي، إذ يتجاوز متوسط إنفاق الفرد ضمن الخمس الأكثر يسرا أكثر من سبعة أضعاف إنفاق نظيره ضمن الخمس الأقل دخلا، كما يفوق الإنفاق في الوسط الحضري بنحو الضعف مقارنة بالعالم القروي، ما ينعكس مباشرة على حجم الاستفادة من الدعم.
وفي هذا السياق، دعا بنك المغرب إلى الانتقال من الدعم الشامل إلى دعم موجه ودقيق، يضمن توجيه الموارد العمومية نحو الفئات الأكثر احتياجا، دون أن يذهب جزء كبير منها إلى أسر لا تحتاج إلى المساندة بنفس الدرجة.
ونبه التقرير إلى الامتيازات الضريبية التي بلغت كلفتها على الميزانية أكثر من 32 مليار درهم خلال سنة 2025، مشيرا إلى أن عددا من الإعفاءات والتخفيضات الضريبية يمنح دون تقييم منتظم لمدى تحقيقه للأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي أُحدث من أجلها.
ولفت البنك المركزي إلى جدوى استمرار بعض الامتيازات الضريبية، ومدى مساهمتها الفعلية في خلق فرص الشغل وتحفيز الاستثمار وتحسين القدرة الشرائية.
وحذر من تحولها إلى امتيازات دائمة تستفيد منها فئات أو قطاعات بعينها دون مردودية واضحة على الاقتصاد الوطني.
ورأى التقرير أن العدالة الضريبية لا تقتصر على رفع المداخيل الجبائية أو مكافحة التهرب الضريبي، بل تقتضي أيضا إخضاع مختلف الإعفاءات الضريبية للتقييم الدوري وربط استمرارها بنتائج ملموسة وقابلة للقياس.
وأشار بنك المغرب إلى أن مجموع ما تتحمله المالية العمومية من كلفة المقاصة والتنازل عن الإيرادات الضريبية يناهز 50 مليار درهم سنويا، وهو مبلغ يمكن، في حال إعادة توجيه جزء منه بكفاءة أكبر، أن يوفر هوامش مالية مهمة لتمويل ورش الحماية الاجتماعية، وتعزيز الاستثمار في الصحة والتعليم، ودعم المشاريع المنتجة.
وتأتي هذه الدعوة في وقت سجلت فيه المداخيل الجبائية نموا بنسبة 15.3 في المائة لتصل إلى 388 مليار درهم خلال 2025، مدفوعة بارتفاع عائدات الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة، إلى جانب الإصلاحات الجبائية التي تضمنها قانون المالية، ومنها رفع الحد المعفى من الضريبة على الدخل، وتخفيف العبء الضريبي على الأجراء والمتقاعدين، وتشديد إجراءات مكافحة التهرب الضريبي.
في المقابل، نبه التقرير إلى تصاعد الضغوط على الميزانية، في ظل ارتفاع فوائد الدين إلى 41.5 مليار درهم، وبلوغ نفقات الموظفين 179.7 مليار درهم، فضلا عن الالتزامات المتزايدة المرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر وإصلاح أنظمة التقاعد.
ويخلص بنك المغرب إلى أن الرهان لم يعد مرتبطا بحجم الأموال التي تخصصها الدولة للدعم، بل بمدى عدالة وفعالية توجيهها، مؤكدا أن الإصلاح الحقيقي يمر عبر ضمان وصول كل درهم من المال العام إلى الفئات التي تستحقه، وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي ملموس يبرر كلفته على الميزانية