باب فتوح...ذاكرة العدوتين

الكاتب : الجريدة24

13 يونيو 2026 - 02:00
الخط :

أمينة المستاري

تشكل بوابات فاس منظومة معقدة من الأسوار والبوابات التي تحيط بـفاس البالي وفاس الجديد، مكونة معا نواة مدينة فاس العتيقة.

أدت الأسوار والبوابات وظائف دفاعية أساسية؛ إذ كانت تغلق ليلا وتتحكم في دخول وخروج الأشخاص والبضائع، مما سمح بفرض الضرائب وتنظيم الحياة داخل المجال الحضري الذي تحدده الأسوار قانونيا ورمزيا.

ومع ظهور البارود تراجع دورها العسكري، خاصة أن فاس مدينة داخلية نادرا ما تعرضت لهجمات مدفعية، باستثناء احتلال عثماني قصير سنة 1554. لاحقا، اكتسبت البوابات طابعا رسميا وزخرفيا أكثر من كونها دفاعية.

شيدت الأسوار أساسا بتقنية الأرض المدكوكة، اعتمادا على مواد محلية كالتراب والحصى والجير، مع أسس حجرية وأبراج مستطيلة. وتتطلب هذه التقنية صيانة دورية بسبب تأثرها بعوامل التعرية، لذلك تبدو بعض المقاطع حديثة بفعل الترميم، بينما انهارت أخرى.

ففي العهد الإدريسي، تأسست فاس على ضفتي وادي فاس بمستوطنتين مستقلتين لكل منهما أسوارها، ليتم توحيد المدينتين في عهد المرابطين (القرن 11م) بسور واحد.

قبل أن يعيد الموحدون في القرن 12–13م بناء الأسوار بعد هدمها، واتخذت فاس البالي شكلها المحيط الحالي، ولا تزال شاهدا على  هذه الحقبة.

وقام المرينيون في القرن 13م بتأسيس فاس الجديد سنة 1276 كمدينة ملكية محصنة بأسوار مزدوجة وحدائق واسعة، واهتموا بترميم فاس البالي، فشهدت المدينة عصرها الذهبي.

ثم قام السعديون في القرن 16م بتشييد حصون مدفعية على المرتفعات (مثل برج الشمال وبرج الجنوب) لإحكام السيطرة وحماية المدينة في عصر البارود.

وبعد مجيء العلويين، رمموا التحصينات ووسعوا القصر الملكي، وربطوا فاس البالي بفاس الجديد بممر مسور في عهد مولاي الحسن الأول، ما غير تخطيط المدينة وأعاد تنظيم مجالها العمراني.

هكذا تعكس بوابات فاس وأسوارها تاريخا طويلا من التحولات السياسية والعسكرية والعمرانية، وتظل عنصرا أساسيا في هوية المدينة وذاكرتها الحضارية.

باب فتوح...ذاكرة العدوتين

يقف باب  فتوح شامخا في الجهة الشرقية من فاس البالي، كمدخل تاريخي لعدوة الأندلس، وواحد من الشواهد الحية على المراحل المتقلبة التي عاشتها المدينة منذ القرن الخامس الهجري.

فهذه البوابة لم تبن فقط لتنظيم العبور، بل ولدت من رحم صراع سياسي وعسكري حاد هّ وحدة فاس وترك بصمته على عمرانها.

بعد أفول الدولة الإدريسية، تحولت فاس إلى عاصمة للدولة المغراوية في عهد دوناس بن حمامة، الذي بلغت المدينة في أيامه ذروة ازدهارها؛ إذ أحاط أرباضها بالأسوار، وشيد المرافق، فغدت حاضرة يقصدها التجار والوافدون من مختلف الجهات.

لكن وفاته فتحت باب النزاع بين ابنيه: فتوح، الذي تمركز بعدوة الأندلس، وعجيسة الذي استولى على عدوة القرويين. ومع احتدام الصراع، انقسمت المدينة بأسوار تفصل بين ضفتيها، ودخل السكان مرحلة قاسية من المجاعة والخوف، حتى اضطروا إلى إخفاء مؤونتهم في مطامير سرية وبناء غرف مرتفعة بلا سلالم اتقاء للنهب.

في هذا المناخ المتوتر شيد باب الفتوح، ومعه حصن بحي الكدان، ليكون درعا دفاعيً لعدوة الأندلس ونقطة مراقبة استراتيجية.، لكن هذا الانقسام لم يدم طويلا؛ فبدخول الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين إلى فاس سنة 1062م، هدمت الأسوار الفاصلة وتم توحيد المدينة.

لاحقا، عرفت فاس حصارا عنيفا على يد عبد المؤمن الموحدي، انهار خلاله جزء من أسوارها ومنازلها، لكن الدولة الموحدية أعادت بناء التحصينات في عهد محمد، وينسب إلى هذه المرحلة الشكل المعماري الحالي لباب الفتوح، بمدخله المنكسر وأبراجه المربعة المشيدة بتقنية الطابية فوق أساسات حجرية، وهي سمات تعكس روح العمارة الحربية في المغرب الوسيط.

ومع تعاقب الدول، تجاوز الباب وظيفته الدفاعية ليصبح شريانا اقتصاديا رئيسيا، تستقبله القوافل القادمة من الشرق، وتنطلق عبره الرحلات التجارية والحملات العسكرية وقوافل الحج، وبمحاذاته تمتد مقبرة باب الفتوح، حيث يرقد عدد من أعلام فاس وعلمائها، ما أضفى على المكان بعدا روحيا وعلميا مميزا.

وفي العصر الحديث، تحول جزء من الباب إلى مركز للشرطة وجباية الضرائب خلال فترة الحماية، واستمر يؤدي وظائف إدارية بعد الاستقلال، في دلالة على قدرة المعلمة على التكيف مع تحولات الزمن.

بهذا المعنى، لا يمثل باب الفتوح مجرد بوابة شرقية، بل هو مرآة لتحولات فاس: من مدينة منقسمة تتنازعها القوى، إلى حاضرة موحدة تستعيد أسوارها وتعيد تعريف أدوارها بين الدفاع والتجارة والرمزية الدينية.

آخر الأخبار