بين لقمة العيش وقدسية أماكن العبادة.. رمضان يُعيد الجدل حول احتلال الملك العمومي

الكاتب : انس شريد

28 فبراير 2026 - 08:30
الخط :

بين ضرورات العيش ومتطلبات احترام قدسية الفضاءات الدينية، يعود الجدل في المغرب مع حلول شهر رمضان حول ظاهرة احتلال الملك العمومي في محيط المساجد، حيث تتحول بعض المداخل والساحات المجاورة إلى فضاءات تجارية مفتوحة، تتقاطع فيها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية مع الاعتبارات الدينية والتنظيمية.

ويبرز هذا المشهد بشكل خاص خلال أوقات الذروة، ولا سيما قبيل صلاة التراويح، عندما تتزايد حركة المصلين وتتزامن مع انتشار الباعة الجائلين الذين يفترشون الأرض أو يقيمون منصات عرض مؤقتة لبيع سلع متنوعة، مستفيدين من الكثافة البشرية التي تميز هذه الفترة من السنة.

وتعكس هذه الظاهرة واقعًا مركبًا، يتداخل فيه السعي إلى تأمين لقمة العيش مع محدودية الفرص الاقتصادية، خاصة في صفوف الفئات الهشة التي تعتمد على التجارة غير المهيكلة كمصدر رئيسي للدخل.

وأكد عدد من الباعة الجائلين في الدار البيضاء، في تصريحات متطابقة لـ"الجريدة 24"، أن شهر رمضان يمثل بالنسبة لهم موسمًا حاسمًا لتعويض الخسائر التي يتكبدونها خلال باقي أشهر السنة، في ظل محدودية فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.

وأوضح هؤلاء أن الإقبال المتزايد للمواطنين على اقتناء المواد الغذائية والاستهلاكية خلال هذا الشهر الفضيل يمنحهم فرصة ثمينة لتحسين مداخيلهم، مؤكدين أن هذه الفترة تشكل موردًا أساسيًا يساهم في تأمين احتياجاتهم اليومية ومواجهة الأعباء الاقتصادية المتزايدة.

غير أن هذا النشاط، رغم أبعاده الاجتماعية، حيث أثار هذا الأمر  تساؤلات الفعاليات المدنية بشأن انعكاساته على قدسية أماكن العبادة وعلى حق المواطنين في الولوج السلس والآمن إلى المساجد.

فمع تزايد أعداد الباعة وتنافسهم على المواقع الأكثر جذبًا، تصبح بعض الممرات المؤدية إلى المساجد شبه مكتظة، ما يعرقل حركة المصلين ويخلق حالة من الفوضى التنظيمية.

كما يترافق هذا الحضور التجاري مع مظاهر الضجيج الناتجة عن نداءات الترويج ومحاولات استقطاب الزبائن، وهو ما يعتبره عدد من المواطنين سلوكًا يتعارض مع الأجواء الروحانية التي تميز هذا الشهر الفضيل، ويؤثر سلبًا على أجواء الخشوع والسكينة التي يفترض أن تسود محيط بيوت الله.

في المقابل، يرى آخرون أن هذه الظاهرة تعكس جانبًا من الدينامية الاجتماعية التي ترافق شهر رمضان، حيث تتحول محيطات المساجد إلى نقاط التقاء تجمع بين مختلف فئات المجتمع، في سياق يتسم بالتضامن والتقارب الإنساني.

وتضع هذه الوضعية المجالس الجماعية المنتخبة أمام تحدي تحقيق التوازن بين ضمان احترام النظام العام والحفاظ على قدسية الفضاءات الدينية من جهة، ومراعاة الأوضاع الاجتماعية للفئات التي تعتمد على هذا النشاط من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الجماعات الترابية في تنظيم استغلال الملك العمومي وتأهيل محيط المساجد، بما يضمن انسيابية حركة المصلين ويحافظ على الطابع الروحي للمكان، مع التفكير في حلول بديلة تتيح للباعة ممارسة أنشطتهم في ظروف منظمة تحفظ كرامتهم وتراعي القوانين المعمول بها.

وقد سبق أن شددت وزارة الداخلية على ضرورة تدخل المجالس الجماعية لوضع حد لمظاهر الاحتلال غير القانوني للملك العمومي، مؤكدة على أهمية احترام الضوابط التنظيمية المعمول بها، ومحمّلة رؤساء الجماعات مسؤولية السهر على تدبير هذا الملف في إطار اختصاصاتهم القانونية.

ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع يهدف إلى تحسين جودة الفضاءات الحضرية وتعزيز احترام القانون، خاصة في المناطق التي تعرف ضغطًا بشريًا مرتفعًا خلال المناسبات الدينية.

وتتجاوز أبعاد هذه الظاهرة الجانب التنظيمي لتطرح إشكالات أعمق ترتبط بطبيعة الاقتصاد غير المهيكل الذي يشكل جزءًا مهمًا من النسيج الاقتصادي الوطني، ويستقطب فئات واسعة من الباحثين عن مصادر دخل في ظل تحديات سوق الشغل.

وتؤكد عدد من الفعاليات الجمعوية أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الإدماج الاقتصادي التدريجي للباعة الجائلين، وتوفير فضاءات مهيأة لممارسة أنشطتهم، إلى جانب تعزيز آليات المراقبة والتنظيم بما يضمن التوازن بين الحقوق والواجبات.

ومع استمرار هذا الجدل، يبقى محيط المساجد خلال شهر رمضان مرآة تعكس تفاعل مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والدينية، في مشهد يجسد تعقيدات الواقع الحضري وتحديات التوفيق بين متطلبات العيش الكريم واحترام النظام العام.

وبين الدعوات إلى تشديد المراقبة وتطبيق القانون، والمطالب بإيجاد حلول اجتماعية منصفة، تظل هذه الظاهرة مفتوحة على نقاش مجتمعي أوسع حول سبل تحقيق التوازن بين الحق في العمل واحترام قدسية الفضاءات المشتركة، بما يعكس روح التضامن والتنظيم التي يفترض أن تميز المجتمع خلال هذا الشهر المبارك.

آخر الأخبار