في خضم جدل تسليع الأدوية.. وزير الصحة يطمئن الصيادلة بشأن مستقبل الصيدليات
في خضم النقاش المتصاعد حول مستقبل تنظيم قطاع الصيدلة في المغرب، سعى أمين التهراوي، وزير وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، إلى طمأنة مهنيي القطاع بشأن الجدل الدائر حول إمكانية فتح رأسمال الصيدليات أمام مستثمرين من خارج المهنة، مؤكداً أن هذا المقترح لا يندرج ضمن التوجهات المعتمدة حالياً داخل الوزارة.
وجاءت هذه التوضيحات، حسب ما توصلت بها الجريدة 24، خلال اجتماع عمل عقد بالرباط وجمع الوزير بممثلي أبرز النقابات المهنية للصيادلة، في إطار الحوار المؤسساتي الذي تحرص الوزارة على إرسائه مع مختلف الفاعلين في القطاع الصحي.
وشارك في هذا اللقاء ممثلو الفيدرالية الوطنية لنقابات صيادلة المغرب والاتحاد الوطني لصيادلة المغرب والنقابة الوطنية لصيادلة المغرب، حيث شكل الاجتماع مناسبة لبحث عدد من القضايا المرتبطة بتطور مهنة الصيدلة وتحدياتها التنظيمية والمهنية.
كما ناقش الطرفان مستجدات النقاش العمومي الذي أثير في الآونة الأخيرة عقب صدور توصيات عن مجلس المنافسة بشأن وضعية المنافسة في سوق الدواء وإمكانية إدخال إصلاحات هيكلية على القطاع.
وأكد الوزير خلال اللقاء أن الحوار الجاري مع ممثلي الصيادلة يتركز أساساً على تنفيذ الالتزامات المتفق عليها في إطار الاتفاق الموقع بين الحكومة ومهنيي القطاع بتاريخ السادس من أبريل سنة 2023، وهو الاتفاق الذي يهدف إلى معالجة عدد من الإشكالات المرتبطة بممارسة المهنة وتحسين ظروف عمل الصيادلة وتعزيز دورهم داخل المنظومة الصحية الوطنية.
وشدد على أن الوزارة تضع ضمن أولوياتها الحفاظ على توازن القطاع وضمان استقراره بما يخدم مصالح المهنيين والمواطنين على حد سواء.
وفي معرض حديثه عن موضوع فتح رأسمال الصيدليات، أوضح التهراوي أن هذا الخيار لا يشكل حالياً جزءاً من السياسة المعتمدة لدى الوزارة، مشيراً إلى أن أي نقاش مستقبلي محتمل حول هذا الموضوع سيتم في إطار مقاربة تشاركية تعتمد التشاور المسبق والتنسيق مع التمثيليات المهنية المعنية.
وأضاف أن الهدف من هذه المقاربة هو ضمان اتخاذ أي قرار محتمل في إطار توافق مهني ومؤسساتي يراعي خصوصية قطاع الدواء ويصون التوازنات التي يقوم عليها.
كما شدد الوزير على أن آراء مجلس المنافسة، رغم أهميتها وقيمتها الدستورية والاستشارية، تظل غير ملزمة للحكومة، غير أنها تمثل في المقابل مساهمة أساسية في النقاش العمومي المتعلق بالسياسات الاقتصادية والقطاعية.
وأوضح أن هذه الآراء تتيح للحكومة الاستفادة من تحليلات تقنية واقتراحات إصلاحية قد تساعد في تطوير السياسات العمومية، دون أن يعني ذلك تبنيها بشكل تلقائي.
ويأتي هذا التوضيح في سياق جدل واسع أثارته توصيات المجلس المتعلقة بقطاع توزيع الأدوية، والتي تضمنت مقترحات لإصلاحات هيكلية من بينها فتح رأسمال الصيدليات بشكل تدريجي ومؤطر، مع الإبقاء على المسؤولية المهنية للصيدلي باعتباره المسؤول القانوني عن صرف الأدوية وضمان سلامتها.
ويرى المجلس أن هذا التوجه قد يسهم في تعبئة استثمارات إضافية داخل القطاع وتحسين حكامة التسيير وتحديث التجهيزات والبنيات التحتية، بما يواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يعرفها المجال الصحي.
غير أن هذه التوصيات قوبلت بتحفظات واسعة داخل الأوساط المهنية، حيث عبرت تنظيمات الصيادلة عن تخوفها من أن يؤدي فتح الرأسمال إلى بروز سلاسل صيدلية كبرى مدعومة برأسمال قوي قادرة على التوسع السريع واحتكار السوق، وهو ما قد يضع الصيدليات الصغيرة والمتوسطة أمام منافسة غير متكافئة تهدد استمراريتها.
ويرى عدد من المهنيين أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى اختلال في التوازن الجغرافي لتوزيع الصيدليات، خاصة إذا تركزت الاستثمارات في المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
كما يثير معارضو هذا المقترح مسألة استقلالية القرار داخل الصيدلية، محذرين من أن دخول مستثمرين غير مهنيين قد يخلق ضغوطاً اقتصادية مباشرة أو غير مباشرة على الصيادلة، بما قد يدفع نحو تغليب الاعتبارات التجارية على الاعتبارات الصحية في بعض الحالات.
ويؤكد هؤلاء أن طبيعة الممارسة الصيدلية تقوم أساساً على مبدأ حماية صحة المريض وضمان حسن استعمال الدواء، وهو ما يقتضي الحفاظ على استقلالية الصيدلي في اتخاذ القرار المهني.
وفي المقابل، يدافع مؤيدو التوصيات عن فكرة الفصل بين المسؤولية المهنية للصيدلي والجوانب الاستثمارية المرتبطة بتمويل وتسيير الصيدليات، معتبرين أن الانفتاح المدروس على الاستثمار قد يسمح بإدخال موارد مالية إضافية تمكن من تطوير البنية التحتية للصيدليات وتحديث طرق التخزين والتوزيع وتعزيز استعمال التقنيات الرقمية داخل القطاع.
ولم يقتصر الجدل على المهنيين وحدهم، إذ عبرت عدة هيئات مدنية وحقوقية عن مواقف متباينة من هذه التوصيات، من بينها الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة التي حذرت من أن أي إصلاحات ينبغي أن تراعي خصوصية الدواء باعتباره منتجاً صحياً حساساً لا يمكن إخضاعه بالكامل لمنطق السوق والمنافسة التجارية.
كما دعت إلى معالجة الإشكالات البنيوية المرتبطة بتسعير الأدوية وهيكلة سوق الاستيراد والتصنيع، باعتبارها عوامل أساسية تؤثر في كلفة العلاج بالنسبة للمواطنين.
وفي خضم هذا النقاش، شدد وزير الصحة والحماية الاجتماعية على أن الوزارة تعتمد رؤية إصلاحية شاملة تهدف إلى تطوير المنظومة الصحية مع الحفاظ على التوازن بين مختلف الفاعلين داخل قطاع الدواء.
وأكد أن الصيادلة يشكلون أحد الأعمدة الأساسية في هذه المنظومة، نظراً للدور الحيوي الذي يضطلعون به في ضمان الولوج الآمن إلى الأدوية ومواكبة المرضى وتقديم الإرشاد الصحي اللازم.
كما جرى خلال الاجتماع استعراض تقدم عدد من الأوراش التنظيمية المرتبطة بتطوير قطاع الصيدلة، مع التأكيد على مواصلة العمل وفق مقاربة الحوار المسؤول والانفتاح المستمر على المهنيين.
وفي ختام اللقاء، جدد الوزير التأكيد على التزام الوزارة بمواصلة التشاور مع مختلف المتدخلين في قطاع الصيدلة، بما يضمن تطوير المهنة وتحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
كما شدد على أن أي إصلاحات مستقبلية ستتم وفق مقاربة متدرجة ومتوازنة تراعي متطلبات تحديث القطاع وفي الوقت نفسه تحافظ على الأمن الدوائي الوطني واستقرار سوق الدواء في المغرب.