باب منصور لعلج...تحفة معمارية ولدت من حلم سلطان وعبقرية أسير

الكاتب : الجريدة24

02 مايو 2026 - 12:00
الخط :

أمينة المستاري

في البدايات الأولى لعهد الدولة المرابطية، لم تكن مدينة مكناس محاطة بأسوار منيعة كما ستعرفها لاحقا، إذ ظلت فضاء مفتوحا إلى أن تعاظم نفوذ الموحدين، فاضطروا إلى تحصين حصن تاكرارت بسور قوي تدعمه أبراج دفاعية. لكن خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، ستشهد المدينة تحولات كبرى، حين أضحت عاصمة سلطانية في عهد المولى إسماعيل، الذي أحاطها بأسوار شاهقة تمتد لنحو أربعين كيلومترا، ما تزال أجزاء واسعة منها قائمة إلى اليوم شاهدة على عظمة المشروع العمراني الإسماعيلي.

وقد اخترقت هذه الأسوار الضخمة أبواب متعددة، اندثر بعضها بفعل الزمن، بينما بقيت أخرى صامدة تحكي فصولا من تاريخ العاصمة الإسماعيلية.

كانت تلك الأبواب أكثر من مجرد منافذ للعبور؛ فقد جسدت رؤية السلطان المولى إسماعيل لمدينة مهيبة، تتزين بقصور فخمة وأبراج عالية وبوابات محصنة، بلغ عددها نحو عشرين بابا ضخما، من بينها باب منصور لعلج.

يقف هذا الباب شامخا باعتباره أروع أبواب العالم الإسلامي وأكبرها في شمال إفريقيا.

هو تحفة معمارية تجمع بين الجمال والهيبة، وتختزل في تفاصيلها رمزية السلطة التي أرادها السلطان المولى إسماعيل لمدينته.

اختير باب منصور لعلج ليكون مدخل القصبة الإسماعيلية وممرا رسميا لاستقبال الوفود الأجنبية والشخصيات البارزة، ليصبح بذلك بوابة العبور إلى قلب الحكم.

يمتزج في تصميم الباب الإبداع الهندسي بالزخرفة البديعة، حيث تتزين واجهته بزليج أسود منقوش بخط كوفي بديع كتب فيه:"الحمد لله وحده، وصلى الله سيدنا محمد الذي لا نبي بعده"، في تعبير واضح عن العناية الكبيرة التي أولتها الدولة المغربية لفنون العمارة الإسلامية.

يطل باب منصور على ساحة الهديم، ويصل ارتفاعه في مجمله إلى نحو ستة عشر مترا، فيما تتوسط واجهته فتحة ضخمة على شكل عقد نصف دائري يبلغ ارتفاعه قرابة ثمانية أمتار.

يحصنه برجان مربعان دفاعيان يفتحان على رواقين خارجيين قصيرين، يحيط بهما تجويفان يضمان عمودين شاهقين من الرخام الأبيض، يرجح أن يكونا قد تم جلبهما من بقايا الآثار الرومانية لمدينة وليلي، بينما تشير بعض الروايات إلى أن أجزاء من تيجانهما قد تكون صنعت في إيطاليا.

ما يزيد الباب بهاء، زخارف نباتية من السيراميك الغني بالألوان، يطغى عليها اللون الأخضر، وتؤطرها زخارف فسيفسائية متعددة الألوان تمنح الواجهة رونقا فريدا.

حسب الباحثين فقد تأسس هذا الباب العظيم في أواخر القرن السابع عشر بأمر من السلطان المولى إسماعيل، قبل أن يقوم ابنه السلطان المولى عبد الله بتجديده وتزيينه سنة 1732م، وهو التاريخ الذي تم تخليده في قطعة زليج خضراء على واجهة الباب كتبت أرقامها بالحروف الأبجدية.

تحكي الروايات التاريخية أن هندسة الباب صممها مهندس أوروبي كان أسيرا لدى المولى إسماعيل، وبعد اعتناقه الإسلام اتخذ اسم المنصور لعلج، فحمل الباب اسمه تخليدا لعمله.

ولم يكن باب منصور مجرد معلمة معمارية، بل كان فضاء نابضا بالحياة، فقد احتضن محكمة باشا المدينة الذي كان يعقد فيه جلساته للفصل في النزاعات، كما اعتاد التوجه إليه بعد صلاة الجمعة لتناول الطعام مع قادته العسكريين، وأمام هذا الباب أيضا كانت تقام الاحتفالات الدينية والمواسم الشعبية والعروض العسكرية، وهي تقاليد ظل صداها يتردد في ذاكرة مكناس حتى يومنا هذا.

يظل باب منصور لعلج أكثر من بوابة حجرية، هو صفحة مفتوحة من تاريخ مكناس، تختصر زمن السلطان المولى إسماعيل وتروي قصة مدينة أراد لها أن تكون عاصمة للهيبة والمجد

آخر الأخبار