الدار البيضاء أمام رهان إنهاء الفوضى.. هل تستعيد بريقها الأبيض؟

الكاتب : انس شريد

05 مارس 2026 - 08:30
الخط :

تشهد الدار البيضاء في الآونة الأخيرة نقاشا متزايدا حول مستقبل صورتها العمرانية وهويتها الجمالية، في ظل تحولات حضرية متسارعة فرضتها وتيرة التوسع العمراني والضغط الديمغرافي الذي تعرفه العاصمة الاقتصادية للمملكة.

وبينما تتزايد الأصوات المطالبة بإعادة الاعتبار للوجه التاريخي للمدينة، برزت مبادرات رسمية ومدنية تسعى إلى استعادة ما يصفه كثير من السكان بـ“البريق الأبيض” الذي شكل لسنوات طويلة أحد أبرز رموز المدينة وملامحها المعمارية المميزة في شمال إفريقيا.

ولم يعد هذا النقاش مقتصرا على أوساط المهتمين بالتراث العمراني أو النخب المحلية، بل تحول إلى مطلب شعبي يتردد صداه على نطاق واسع داخل الأحياء والفضاءات الرقمية.

فمع تراجع الحالة الجمالية لعدد كبير من واجهات المباني، ارتفعت الدعوات المطالبة بتدخل عاجل لإعادة تأهيل المظهر الخارجي للمدينة، باعتبار ذلك جزءاً من الحفاظ على هويتها التاريخية وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية والسياحية.

في هذا السياق، برزت المبادرة التي أطلقتها نبيلة الرميلي، رئيسة المجلس الجماعي للدار البيضاء، والتي تروم إعادة صباغة واجهات المباني، خاصة القديمة منها، في إطار مشروع يهدف إلى إعادة الاعتبار للطابع الأبيض الذي اشتهرت به المدينة لعقود طويلة.

وتندرج هذه الخطوة ضمن رؤية أوسع تسعى إلى تحسين جمالية الفضاء الحضري وتعزيز صورة المدينة التي تعد القلب الاقتصادي للمغرب.

غير أن تنفيذ هذه المبادرة واجه عدداً من التحديات العملية، إذ لا تزال العديد من العمارات والمباني، خاصة في الأحياء القديمة، تعاني من تدهور واضح في واجهاتها، الأمر الذي ينعكس سلباً على المشهد البصري العام للمدينة.

ويؤكد متابعون للشأن المحلي أن هذه الوضعية تعكس تراكمات سنوات من الإهمال وغياب الصيانة الدورية لبعض المباني، وهو ما جعل مسألة إعادة الطلاء والصيانة تتحول إلى ورش حضري واسع يتطلب تعبئة مختلف المتدخلين.

ووفقا لمصادر "الجريدة 24"، فإن القوانين التنظيمية المعمول بها في المدينة تلزم ملاك العمارات السكنية بإعادة صباغة واجهات بناياتهم كل خمس سنوات، أو كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وفق معايير محددة للألوان المعتمدة.

وتشير المعطيات نفسها إلى أن اللون الأبيض الناصع يظل اللون الإجباري لواجهات العمارات والبنايات الصناعية والتجارية والدور السكنية، بينما يُعتمد اللون الرمادي الفاتح أو البني الفاتح للأبواب والنوافذ الحديدية والخشبية، في حين يخصص اللون الفضي للأبواب والنوافذ المصنوعة من الألومنيوم.

وتضيف المصادر ذاتها أن الجماعة تحتفظ بحق التدخل لتنفيذ أشغال الصباغة على نفقة الملاك في حال عدم امتثالهم لهذه المقتضيات بعد انتهاء الآجال القانونية المحددة، مع إمكانية إضافة مصاريف تأخير، وهو ما يعكس رغبة السلطات المحلية في فرض احترام هذه المعايير الجمالية التي تشكل جزءاً من هوية المدينة العمرانية.

وقد تحولت هذه القضية إلى موضوع نقاش واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث دعا عدد من الفاعلين المدنيين إلى تسريع تدخل الشرطة الإدارية لإحصاء المباني المهملة، خاصة في المناطق العتيقة، واتخاذ إجراءات حازمة لإلزام أصحابها بإعادة طلاء واجهاتها.

ويرى هؤلاء أن استعادة اللون الأبيض لا يتعلق فقط بالمظهر الخارجي للمدينة، بل يرتبط أيضاً بالذاكرة الجماعية لسكانها الذين ظلوا لسنوات طويلة يعتبرون هذا اللون رمزاً لروح الدار البيضاء وحداثتها.

ويستحضر كثير من البيضاويين في هذا السياق مرحلة تاريخية كانت فيها المدينة تُصنف ضمن أجمل المدن المتوسطية، بفضل انسجامها المعماري واتساع شوارعها وواجهاتها البيضاء التي كانت تمنحها طابعاً مميزاً.

غير أن التحولات العمرانية المتلاحقة خلال العقود الأخيرة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، أدت إلى تراجع هذا الانسجام تدريجياً، ما جعل استعادة الجمالية الحضرية مطلباً متزايد الإلحاح.

وفي إطار الجهود المبذولة لإعادة الاعتبار للمشهد الحضري، دعت رئيسة المجلس الجماعي رؤساء المقاطعات إلى تحريك أجهزة الشرطة الإدارية لمتابعة تنفيذ مقتضيات صباغة الواجهات، مع تعزيز آليات المراقبة الميدانية لضمان احترام المعايير المعتمدة.

غير أن النتائج المسجلة حتى الآن تبدو متفاوتة بين مختلف أحياء المدينة، إذ أظهرت بعض المناطق تجاوباً ملحوظاً مع هذه المبادرة، في حين ما تزال مناطق أخرى متأخرة في تنفيذها.

ووفق ما عاينته مصادر "الجريدة 24"، فقد شهدت مقاطعات مثل المعاريف وسيدي بليوط وعين الشق والصخور السوداء استجابة أكبر من قبل السكان، خاصة في الأحياء ذات المستوى الاقتصادي المرتفع، حيث بادر عدد من الملاك إلى إعادة طلاء واجهات بناياتهم.

في المقابل، لا تزال أحياء شعبية مثل سيدي مومن وحي مولاي رشيد تعاني من ضعف الإمكانات المالية لدى عدد من السكان، ما يحد من قدرتهم على تحمل تكاليف الترميم والصباغة.

هذا التفاوت دفع عددا من الفاعلين المدنيين إلى الدعوة لاعتماد مقاربة أكثر شمولاً لا تقتصر على الجانب الزجري، بل تشمل أيضاً برامج دعم وتحفيز للسكان، خصوصاً في المناطق الهشة.

ويرى هؤلاء أن نجاح المبادرة يتطلب توفير آليات مساعدة مالية أو تقنية للأسر غير القادرة على تحمل تكاليف الأشغال، بما يضمن تعميم المشروع على مختلف أحياء المدينة.

وبموازاة ذلك، تواصل جماعة الدار البيضاء العمل على مشاريع أخرى مرتبطة بالحفاظ على الإرث المعماري للمدينة، خاصة في قلبها التاريخي.

ومن بين أبرز هذه المشاريع ورش ترميم وإعادة صباغة المباني ذات الطابع المعماري المميز الممتدة على طول شارع محمد الخامس، وهو الشارع الذي يمثل أحد أبرز رموز التاريخ العمراني للمدينة.

ويهدف هذا المشروع إلى إعادة إحياء الواجهات التاريخية وتحويلها إلى فضاء بصري متناغم يعكس الطابع المعماري الذي اشتهرت به الدار البيضاء خلال القرن الماضي.

وقد انطلقت هذه المبادرة منذ أشهر، في محاولة لإعادة جزء من بريق الماضي إلى هذه المباني التي تشكل شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة.

وفي سياق متصل، تدرس جماعة الدار البيضاء اعتماد لوائح تنظيمية جديدة تروم توحيد تصميم تراسات وواجهات المقاهي والمطاعم، في خطوة تهدف إلى الحد من الفوضى البصرية التي تعرفها بعض الشوارع نتيجة اختلاف التصاميم والألوان المستعملة.

ووفقا لمصادر الجريدة 24، يضع مجلس المدينة اللمسات الأخيرة على دفتر تحملات يحدد معايير موحدة لهذه التراسات، بما ينسجم مع الهوية الجمالية العامة للمدينة.

كما تشير التوقعات إلى أن المجلس الجماعي قد يتجه إلى تطبيق مقتضيات تنظيمية إضافية تتعلق بالمظهر الخارجي للبنايات، من بينها منع نشر الملابس على الشرفات أو تثبيت الصحون اللاقطة بشكل عشوائي على واجهات المباني، وهي ممارسات يرى المسؤولون المحليون أنها تؤثر سلباً على الصورة البصرية للمدينة.

وبين هذه المشاريع والإجراءات التنظيمية، تبدو الدار البيضاء اليوم في سباق مع الزمن لاستعادة صورتها كمدينة حديثة ومتناسقة عمرانيا.

آخر الأخبار