باب احمر...بوابة سلطانية بين القصر والمصلى
أمينة المستاري
تروي أبواب مراكش بفخامتها ونقوشها المتقنة فصولا متعاقبة من تاريخ المدينة، حيث تعكس كل حقبة بصمة حضارية مميزة. ففي عهد الدولة المرابطية، ظهرت الأبواب كجزء من الأسوار الدفاعية الضخمة (مثل باب أغناو) لتؤكد على الطابع العسكري والحصين للعاصمة الجديدة، مع زخارف هندسية بسيطة وقوية.
ومع صعود الدولة الموحدية، تطورت الهندسة المعمارية لتصبح الأبواب أكثر ضخامة وزخرفة، حيث استخدمت الأقواس المحدبة والنقوش الجصية المعقدة.
أما في عصر الدولة السعدية، فقد ظهر استخدام الخشب المنحوت بدقة متناهية مع إقبال كبير على الألوان الزاهية والنحاس المطروق تعبيرا عن الازدهار الاقتصادي والثقافي.
وفي فترة العلوية والعصور اللاحقة، حافظت الأبواب على هذا الإرث مع إضافة لمسات من الخصوصية المغربية الأصيلة، لتصبح رمزا للهوية الوطنية ومقاومة التأثيرات الخارجية.
ويقف باب أحمر، جنوب المدينة الحمراء، شاهدا على مرحلة من تاريخ المدينة ارتبطت بالبلاط السلطاني وتنظيم الفضاءات المحيطة بالقصر.
لم يكن هذا الباب مجرد مدخل عادي، بل بوابة ذات وظيفة دقيقة ارتبطت بحياة المخزن ومسارات تحرك السلطان داخل المدينة.
يرجع تشييد هذه البوابة إلى فترة حكم السلطان محمد الثالث بن عبد الله، وذلك أثناء إنشاء حي بريمة جنوب مراكش.
وقد بنيت الباب لتسهيل مرور السلطان نحو المصلى، في مسار خاص يربط بين الفضاءات السلطانية والمجالات المفتوحة للصلاة والاحتفالات الدينية.
أما اسم باب أحمر فيرجح أنه يعود إلى قبيلة حمر التي كانت تدخل المدينة قديما من هذا الموضع، فحمل الباب اسمها وصار علامة على حضورها في ذاكرة المكان.
تميز تصميم الباب بطابع معماري خاص جعل المؤرخين يصفونه بأنه لا مثيل له بين أبواب مراكش، ويرجح الباحثون أن تخطيطه كان من عمل المهندس المعروف في المصادر باسم أحمد الإنجليزي، وهو مهندس أجنبي ارتبط اسمه بعدد من مشاريع البناء والترميم في المغرب خلال القرن الثامن عشر.
في أصل بنائه لم يكن الباب مجرد ممر، بل كان قاعة واسعة مخصصة للحرس، ما يعكس أهميته الأمنية، صمم سطحه بطريقة عسكرية دقيقة، إذ يحمل عشرة سوار قوية أعدت لتثبيت المدفعية الخفيفة.
وكانت هذه المدافع تجر إلى الأعلى عبر منحدر خارجي ضيق يصل مباشرة إلى السطح، مما يسمح بحماية المداخل القريبة من القصر وإحكام السيطرة على الفضاء المحيط. ومن هذا الحي يمكن الوصول إلى المشور البراني عبر فتحة بسيطة عرفت باسم "باب الفرمة" أو"باب النقب".
ويعد المشور البراني فضاء واسعا يمتد على نحو 240 مترا طولا و200 متر عرضا، وكان بمثابة ساحة كبرى تحيط بالمجال السلطاني.
تتصل هذه الساحة بحي بريمة عبر باب الهري، كما ترتبط بقصر خليفة الملك بواسطة باب الريال الذي يقود بدوره إلى المشور الوسطاني عبر باب صغير منخفض العقد يسمى باب الريح.
أما حي بريمة نفسه، الممتد بمحاذاة جنان العافية، فقد خصص منذ نشأته لخدام المخزن، وخاصة الجنود والخدم الأفارقة المرتبطين بالقصر الملكي.
وهكذا لم تكن باب أحمر مجرد باب في سور المدينة، بل كانت جزءا من منظومة معمارية وأمنية متكاملة تحيط بالفضاءات السلطانية في مراكش، فهي تحكي قصة مدينة كانت أبوابها أكثر من ممرات حجرية؛ كانت نقاط مراقبة، ومسارات للسلطان، وحدودا بين عالم القصر وحياة المدينة.
