ألسنة اللهب تفضح فوضى الأسواق العشوائية بالدار البيضاء وتضع المنتخبين تحت الضغط
تشهد مدينة الدار البيضاء من جديد عودة ملف الأسواق العشوائية إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما أعاد حريق مهول اندلع بسوق "القريعة" تسليط الضوء على حجم التحديات المرتبطة بانتشار فضاءات تجارية غير مهيكلة، في وقت تعيش فيه المجالس المنتخبة آخر أشهر ولايتها الانتدابية وسط تزايد الانتقادات الموجهة لتدبير هذا الملف الذي ظل لسنوات يؤجل من دون حلول جذرية، رغم تعدد البرامج والإعلانات المتعلقة بإعادة تنظيم المجال الحضري للعاصمة الاقتصادية.
وعاشت منطقة سوق "القريعة"، مساء أمس الأحد، حالة استنفار واسعة عقب اندلاع حريق كبير بسوق الدراجات النارية، بعدما التهمت ألسنة اللهب عشرات المحلات المخصصة لإصلاح وبيع مستلزمات الدراجات، والتي يوجد جزء مهم منها داخل فضاء يوصف بكونه غير منظم ويعاني من هشاشة البنيات الأساسية، الأمر الذي ساهم في سرعة انتشار النيران وسط حالة من الهلع في صفوف التجار والمرتادين.
وفور إشعارها بالحادث، انتقلت مختلف المصالح المختصة إلى عين المكان، وعلى رأسها عناصر الوقاية المدنية التي سخرت إمكانيات بشرية ولوجستية مهمة لمحاصرة الحريق ومنع امتداده إلى باقي المحلات المجاورة، في وقت عملت فيه السلطات المحلية والمصالح الأمنية على فرض طوق أمني بمحيط السوق وتنظيم حركة المواطنين، بما يتيح لفرق التدخل أداء مهامها في ظروف آمنة.
وبحسب المعطيات الأولية، فقد اندلع الحريق بشكل مفاجئ داخل عدد من المحلات قبل أن تنتشر ألسنة اللهب بسرعة كبيرة، بفعل وجود مواد قابلة للاشتعال وقطع غيار وزيوت ومحروقات تستعمل في أنشطة إصلاح الدراجات النارية، ما أدى إلى تصاعد سحب كثيفة من الدخان شوهدت من مناطق متفرقة من المدينة، وأثار حالة من الخوف في أوساط السكان المجاورين.
وشارك عدد من التجار وأصحاب المحلات في محاولات أولية للحد من انتشار النيران، قبل وصول فرق الإطفاء، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من السلع والمعدات، بينما استمرت عمليات الإخماد لساعات إلى غاية السيطرة على الحريق ومنع انتقاله إلى فضاءات تجارية أخرى داخل السوق الذي يعرف كثافة كبيرة في الأنشطة الاقتصادية.
ومباشرة بعد السيطرة على الحريق، فتحت الجهات المختصة تحقيقا لتحديد الأسباب والملابسات المحيطة بالحادث، مع حصر حجم الخسائر المادية التي خلفها، في انتظار نتائج الأبحاث التقنية التي ستحدد مصدر اندلاع النيران وما إذا كانت مرتبطة بعطب كهربائي أو بعوامل أخرى.
غير أن الحادث لم يبق محصورا في جانبه الأمني، بل أعاد إلى الواجهة نقاشا واسعا حول واقع الأسواق العشوائية بالعاصمة الاقتصادية، بعدما اعتبر عدد من الفاعلين المحليين أن تكرار الحرائق داخل فضاءات تجارية غير مهيكلة يكشف استمرار اختلالات مرتبطة بضعف شروط السلامة والوقاية، وغياب التجهيزات الأساسية، فضلا عن استمرار استغلال فضاءات لا تستجيب للمعايير التنظيمية المعمول بها.
وطالبت فعاليات مدنية ومحلية بضرورة توسيع دائرة التحقيق لتشمل مختلف أوجه القصور المتعلقة بمراقبة الشبكات الكهربائية، ومدى احترام شروط السلامة، وآليات المراقبة الدورية، معتبرة أن معالجة نتائج الحرائق وحدها لم تعد كافية، بل أصبح من الضروري معالجة الأسباب البنيوية التي تجعل هذه الفضاءات عرضة لحوادث متكررة تهدد الأرواح والممتلكات.
ويأتي هذا الحادث في سياق تعرف فيه مدينة الدار البيضاء دينامية ميدانية متواصلة تستهدف إعادة تنظيم عدد من الفضاءات التجارية التي ظلت خارج الإطار القانوني لسنوات، وذلك ضمن تحركات تروم تحرير الملك العمومي وإعادة هيكلة عدد من الأسواق والنقط التجارية، في ظل مطالب متزايدة بإرساء توازن بين احترام القانون والحفاظ على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لآلاف الأسر التي تعتمد على هذه الأنشطة كمصدر رئيسي للدخل.
وتتزامن هذه التحركات مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية الحالية، وهو ما زاد من حدة النقاش حول حصيلة المجالس المنتخبة في تدبير ملف الأسواق العشوائية، بعدما ظل هذا الورش من أبرز الملفات التي استأثرت باهتمام الرأي العام، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالتنظيم الحضري والسلامة العامة وجودة الخدمات داخل العاصمة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، أصدر محمد امهيدية، والي جهة الدار البيضاء-سطات، تعليمات إلى رؤساء المقاطعات والسلطات المحلية تقضي بتسريع وتيرة التدخلات الميدانية الرامية إلى تحرير الملك العمومي، والقضاء على مختلف مظاهر الاستغلال غير القانوني للفضاءات العمومية، مع اعتماد مقاربة تراعي في الآن نفسه التطبيق الصارم للقانون والأبعاد الاجتماعية المرتبطة بالأنشطة التجارية التي توفر مصدر عيش لعدد كبير من المواطنين.
وترى فعاليات مدنية أن الحرائق التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة، سواء بسوق "القريعة" أو بعدد من الأسواق العشوائية بأحياء أخرى، من بينها سوق المسيرة بحي مولاي رشيد، تؤكد أن استمرار الوضع الحالي يفرض الانتقال من التدخلات الظرفية إلى استراتيجية متكاملة تقوم على إعادة هيكلة هذه الفضاءات، وتوفير بدائل منظمة وآمنة للتجار، وتعزيز آليات المراقبة والوقاية، بما يضمن حماية الأرواح والممتلكات ويحد من تكرار مثل هذه الحوادث.
ويجمع عدد من الفاعلين على أن الحريق الأخير لم يكن مجرد حادث عرضي، بل أعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الأسواق العشوائية بالدار البيضاء، ومدى قدرة مختلف المنتخبين على تحويل الوعود المتعلقة بإعادة التنظيم والتأهيل الحضري إلى مشاريع ملموسة، بما يرسخ مدينة أكثر تنظيما وأمنا، ويجنب العاصمة الاقتصادية تكرار مشاهد الخسائر والهلع التي باتت ترافق كل حادث مماثل.
