لا لتهجير الساكنة.. الحي المحمدي يُسقط مشروع التهيئة المثير للجدل
شهدت مقاطعة الحي المحمدي بمدينة الدار البيضاء، صباح يومه الجمعة، انعقاد دورة استثنائية لمجلس المقاطعة، خُصصت بالكامل لمناقشة مشروع تصميم التهيئة الجديد، في سياق حضري واجتماعي يتسم بحساسية بالغة، نظراً لما يطرحه المشروع من رهانات مرتبطة بإعادة هيكلة المجال العمراني وتأثيراته المباشرة على ساكنة المنطقة.
وقد تميزت هذه الدورة بحضور لافت لعدد كبير من المواطنين القادمين من أحياء درب مولاي الشريف ودرب السعد وبلوك الرياض، ضمن تنسيقية مدنية حضرية مستقلة أكدت منذ البداية أنها تتحرك خارج أي إطار سياسي، وتستند في مواقفها إلى وعي جماعي بأهمية المشاركة في النقاش العمومي والدفاع عن مصالح الساكنة.
هذا الحضور المكثف، حسب المعطيات المتوفرة للجريدة 24، لم يكن معزولاً عن طبيعة النقطة الفريدة التي تضمنها جدول أعمال الدورة، والتي همت إبداء الرأي بشأن مشروع تصميم التهيئة، وهو ما أعطى للنقاش بعداً تشاركياً واضحاً، خاصة في ظل تزايد مطالب إشراك المواطنين في صياغة السياسات الحضرية التي تمس حياتهم اليومية بشكل مباشر.
وحسب مصادر "الجريدة 24"، فقد عبرت فعاليات مدنية حضرت أشغال الدورة عن رغبتهم في الاطلاع على تفاصيل المشروع، والمساهمة في بلورة تصور يراعي خصوصيات المنطقة ويحفظ توازنها الاجتماعي والعمراني.
في هذا السياق، برزت مواقف عدد من أعضاء المجلس، من بينهم المستشار مروان الراشدي، الذي أعلن خلال تدخله رفضه الصريح لمشروع تصميم التهيئة في صيغته الحالية، معتبراً أن أي ورش للتجديد الحضري ينبغي أن ينطلق من مبدأ خدمة المواطن وضمان استقراره، لا أن يكون سبباً في تهديد حقه في السكن أو المساس بمصالحه.
ودعا إلى سحب المشروع وإعادته إلى طاولة الحوار في إطار مقاربة تشاركية حقيقية، تضمن إشراك الساكنة وممثليها في مختلف مراحل الإعداد والتخطيط.
وحسب المعطيات المتوفرة للجريدة 24 من مصادرها، فقد كشف رئيس مقاطعة الحي المحمدي، يوسف الرخيص، أن المجلس توصل بحوالي 750 طعناً بخصوص المشروع، وهو رقم يعكس حجم التحفظات التي أثارها لدى الساكنة، ويؤكد الحاجة إلى إعادة النظر في مضامينه بما يستجيب لانتظارات المواطنين.
وقد شكل هذا المعطى أحد أبرز المؤشرات على وجود فجوة بين التصور التقني للمشروع وتطلعات الفاعلين المحليين.
وقد اتسمت المناقشات بالجدية والمسؤولية، حيث قدم أعضاء المجلس مداخلات تناولت مختلف جوانب المشروع، سواء من حيث تأثيراته الاجتماعية أو أبعاده العمرانية والتنموية.
وأسفرت هذه النقاشات، حسب مصادر "الجريدة 24"، عن اتخاذ قرار بالإجماع يقضي برفض مشروع تصميم التهيئة في صيغته الحالية، مع الدعوة إلى سحبه وإعادة دراسته وفق مقاربة تشاركية تضمن إشراك المجلس المنتخب والساكنة المحلية.
ويُنظر إلى هذا القرار على أنه تعبير واضح عن إرادة جماعية في إعادة صياغة المشروع بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية الحضرية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
في المقابل، عبرت التنسيقية المدنية لملاك درب مولاي الشريف ودرب السعد وبلوك الرياض عن ارتياحها لمخرجات الدورة، مشيدة بما وصفته بروح المسؤولية التي طبعت أشغالها، وبالموقف الذي عبر عنه أعضاء المجلس من خلال التصويت الجماعي على رفض المشروع.
كما نوهت بحضور الساكنة وانضباطها، معتبرة أن هذا الحضور يعكس وعياً متقدماً بأهمية المشاركة في تدبير الشأن المحلي، ويؤكد دور المواطنين كشركاء أساسيين في صياغة مستقبل أحيائهم.
وأكدت التنسيقية، في بلاغ لها، أن هذا القرار يفتح الباب أمام بلورة تصور جديد لمخطط التهيئة، يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات النسيج العمراني والاجتماعي للمنطقة، ويحافظ على طابعها التاريخي، مع الاستجابة في الآن ذاته لمتطلبات التحديث والتأهيل الحضري.
كما أعلنت عن نيتها التقدم بطلب إلى عامل عمالة مقاطعات عين السبع الحي المحمدي، من أجل الترخيص بإصلاح وصيانة المنازل التي تحتاج إلى ترميم، تفادياً لتدهور وضعيتها وضمان سلامة قاطنيها.
وفي هذا الإطار، يبدو أن الرهان المطروح اليوم لا يقتصر على إعداد وثيقة تخطيطية جديدة، بل يتجاوز ذلك إلى بناء توافق حقيقي بين مختلف الفاعلين، يضمن تنمية حضرية منصفة ومستدامة، دون الإضرار بحقوق السكان أو التفريط في الذاكرة الجماعية للمنطقة.