إقصاء قطاعات من دعم النقل يضع الحكومة في قلب الجدل السياسي
يشهد ملف أسعار المحروقات بالمغرب تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة الجدل العمومي، في سياق زيادات جديدة مست أسعار الوقود خلال الأيام الأخيرة، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات حارقة حول نجاعة التدخلات الحكومية وحدود تأثيرها على القدرة الشرائية للمواطنين وكلفة الإنتاج لدى مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
فقد سجلت محطات التزود ارتفاعات قاربت درهمين للتر بالنسبة إلى الغازوال، وأكثر من درهم واحد للبنزين، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسعار النقل والخدمات، مفاقمًا الضغوط الاجتماعية والمهنية في ظرفية دولية تتسم بعدم الاستقرار.
ورغم ارتباط جزء من هذه الزيادات بتحولات السوق الدولية وتداعيات التوترات الجيوسياسية في مناطق إنتاج الطاقة، فإن حدة النقاش الداخلي تعكس تنامي الشكوك بشأن فعالية السياسات العمومية المعتمدة، خاصة في ظل استمرار نفس المقاربات دون مراجعة شاملة تواكب التحولات المتسارعة.
وفي هذا السياق، عادت الحكومة إلى تفعيل آلية الدعم الاستثنائي لفائدة مهنيي النقل الطرقي، باعتبارها وسيلة للتخفيف من وقع ارتفاع أسعار المحروقات، غير أن هذه الخطوة لم تنجح في احتواء موجة الانتقادات المتصاعدة.
وتزايدت الأصوات المنتقدة لهذا الدعم، سواء من داخل الأوساط السياسية أو المهنية، معتبرة أن الإشكال لا يرتبط فقط باستمراره، بل بغياب تقييم دقيق لمدى انعكاسه الفعلي على أسعار النقل وكلفة المعيشة، في ظل مؤشرات تفيد بأن الأثر الإيجابي لم يصل بالشكل المطلوب إلى المستهلك النهائي.
وفي خضم هذا الجدل، برزت انتقادات مرتبطة بطريقة توزيع الدعم، حيث تم تسجيل إقصاء عدد من القطاعات من الاستفادة، من بينها قطاع نقل المستخدمين وقطاع تعليم السياقة، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن معايير الانتقاء ومدى احترام مبدأي الإنصاف وتكافؤ الفرص.
وفي هذا الإطار، دخل البرلمان على خط النقاش، إذ وجه النائب البرلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عمر أعنان، سؤالًا كتابيًا إلى وزارة النقل واللوجستيك، طالب فيه بتوضيح خلفيات هذا الإقصاء، مع دعوته إلى مراجعة المقاربة المعتمدة بما يضمن إدماج الفئات المتضررة، وعلى رأسها مهنيي تعليم السياقة.
واعتبر النائب البرلماني في معرض سؤاله أن إطلاق الدعم الاستثنائي لفائدة مهنيي النقل الطرقي، الذي أعلنت عنه الحكومة بتاريخ 17 مارس 2026، كان من المفروض أن يندرج ضمن رؤية شمولية قائمة على الإنصاف وتكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين في المنظومة.
غير أن التطبيق العملي، وفق السؤال الكتابي، أبان عن إقصاء غير مبرر لقطاع تعليم السياقة، رغم كونه مكونًا أساسيًا في منظومة النقل الطرقي، ورافعة مهمة للتكوين والسلامة الطرقية، فضلًا عن كونه يضم آلاف المهنيين والمقاولات الصغرى التي تعاني بدورها من تداعيات ارتفاع تكاليف المحروقات.
وأثار النائب البرلماني في سؤاله جملة من الإشكالات المرتبطة بغياب وضوح المعايير المعتمدة في تحديد المستفيدين من هذا الدعم، متسائلًا عن الأسس القانونية والتنظيمية التي بني عليها قرار الإقصاء، وعن مدى إدراك الوزارة للانعكاسات المباشرة لهذه الخطوة على استمرارية الأنشطة المرتبطة بقطاع تعليم السياقة.
كما طرح تساؤلات بشأن إمكانية مراجعة هذه المقاربة، بما يضمن إدماج هذا القطاع ضمن المستفيدين، انسجامًا مع مبادئ العدالة المجالية والاجتماعية التي يفترض أن تؤطر السياسات العمومية.
وفي موازاة ذلك، عبرت هيئات مهنية عن قلقها المتزايد إزاء هذه الوضعية، حيث حذر اتحاد المقاولات الصغرى والصغيرة لنقل المستخدمين بالمغرب من التداعيات الخطيرة للارتفاع المستمر في أسعار المحروقات، والتي باتت تمثل أكثر من 70 في المائة من تكاليف التشغيل.
واعتبر الاتحاد أن الدعم الموجه لهذا القطاع يظل غير كافٍ ولا يرقى إلى مستوى التحديات المطروحة، خاصة في ظل تزايد الأعباء المالية وتراجع هامش الربحية.
وأوضح الاتحاد، في بيان صدر عقب اجتماع ضم عددًا من الفاعلين في القطاع، أن العديد من المقاولات الصغرى باتت تواجه صعوبات غير مسبوقة، ما يهدد استمراريتها ويضع آلاف مناصب الشغل في دائرة الخطر.
وفي هذا السياق، دعا إلى مراجعة قيمة الدعم المخصص لنقل المستخدمين والرفع منه، مع التعجيل بصرفه في آجال معقولة، إلى جانب اعتماد إجراءات عملية، من بينها تمكين المهنيين من الاستفادة من آلية “الغازوال المهني”، وإقرار إعفاءات ضريبية على المحروقات.
كما كشف البيان عن توجه الاتحاد نحو مراسلة الشركات الكبرى المستفيدة من خدمات نقل المستخدمين، بهدف إعادة النظر في أثمنة الرحلات بما يضمن التوازن الاقتصادي للعقود المبرمة، إضافة إلى مراسلة جمعيات المستثمرين بالمناطق الصناعية والفلاحية لتحمل مسؤولياتها كشريك أساسي في الحفاظ على استقرار هذا القطاع الحيوي، الذي يرتبط بشكل مباشر باستمرارية الإنتاج والخدمات.
ويعكس هذا الوضع، في مجمله، حجم التحديات التي تواجه السياسات العمومية في تدبير ملف المحروقات، بين ضرورة التخفيف من الأعباء الاجتماعية وضمان استدامة المالية العمومية، في وقت تتزايد فيه المطالب بإرساء مقاربة أكثر شمولية ونجاعة، قادرة على تحقيق التوازن بين مختلف المتدخلين، وتوفير حماية فعلية للمستهلكين والمهنيين على حد سواء.