غلاء الوقود يربك الصيد البحري.. هل تلجأ الأغلبية الحكومية إلى توسيع قاعدة الدعم؟

الكاتب : انس شريد

04 أبريل 2026 - 10:30
الخط :

عاد ملف أسعار المحروقات في المغرب إلى صدارة النقاش العمومي في ظل زيادات متتالية وُصفت بالملموسة، ما أعاد طرح تساؤلات عميقة حول نجاعة السياسات المعتمدة لتدبير هذا القطاع الحيوي، الذي أصبح خاضعاً بشكل شبه كامل لتقلبات السوق منذ قرار تحرير الأسعار.

ولم يعد تأثير هذه الزيادات مقتصراً على قطاع النقل أو كلفة التنقل اليومي، بل امتد ليطال قطاعات إنتاجية أساسية، في مقدمتها الصيد البحري، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على أسعار المواد الغذائية، وعلى رأسها الأسماك، التي تشكل مكوناً رئيسياً في النظام الغذائي للمغاربة.

وقد أفرزت هذه التطورات حالة من التوتر داخل المشهد السياسي، حيث برز تباين واضح في مواقف مكونات الأغلبية الحكومية بشأن سبل التعامل مع هذه الأزمة، بين من يدعو إلى تدخل مباشر لضبط الأسعار أو دعم الفاعلين الاقتصاديين، ومن يراهن على آليات السوق والتوازنات المالية.

ويعكس هذا الجدل اتساع دائرة القلق من تداعيات الارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات، خاصة في ظل السياق الاجتماعي الحساس المرتبط بتراجع القدرة الشرائية.

وتشير معطيات مهنية للجريدة 24 إلى أن الزيادات الأخيرة، التي قاربت درهمين في سعر لتر الغازوال وأزيد من درهم للبنزين، انعكست بشكل مباشر على كلفة الإنتاج في قطاع الصيد البحري، حيث يعتمد المهنيون بشكل كبير على الوقود لتأمين رحلاتهم في عرض البحر.

وأصبحت مصاريف المحروقات تشكل عبئاً ثقيلاً على مداخيل البحارة وأرباب المراكب، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بتقلبات الأحوال الجوية وتراجع المخزون السمكي.

وتفيد مصادر الجريدة 24 من داخل القطاع بأن كلفة الإبحار شهدت ارتفاعاً غير مسبوق، ما أدى إلى تقلص هامش الربح بشكل ملحوظ، بل ودفع بعض المهنيين إلى تقليص عدد رحلات الصيد أو التفكير في التوقف المؤقت عن النشاط. ك

ما أن الارتفاع المتزامن في أسعار معدات الصيد، من شباك وقوارب وقطع غيار، فاقم من صعوبة الوضع، وجعل الاستمرار في النشاط رهيناً بتحقيق توازن دقيق بين التكاليف والمداخيل.

وفي خضم هذه التطورات، انتقلت تداعيات الأزمة إلى المستهلك، حيث بدأت أسعار المنتجات البحرية تعرف منحى تصاعدياً، متأثرة بارتفاع كلفة الإنتاج والنقل، ما يهدد بشكل مباشر القدرة الشرائية للأسر المغربية.

ويخشى حماة المستهلك أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى مزيد من الضغط على ميزانيات الأسر، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار مواد غذائية أخرى، وهو ما يطرح تحديات حقيقية مرتبطة بالأمن الغذائي.

وفي السياق ذاته، دخل البرلمان على خط هذا النقاش، حيث وجهت النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة المصطفة في صفوف الأغلبية، نادية بزندفة سؤالا كتابيا إلى رئيس الحكومة، دعت فيه إلى الكشف عن الإجراءات المزمع اتخاذها لدعم قطاع الصيد البحري في مواجهة ارتفاع أسعار المحروقات، مبرزة أن هذا القطاع يشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني ومصدراً مهماً لفرص الشغل.

وأشارت إلى أن كلفة الوقود عرفت ارتفاعاً ملحوظاً، بما يقارب 3000 درهم في الطن، وهو ما أثر بشكل مباشر على مردودية نشاط الصيد، خاصة في الصيد التقليدي والساحلي.

كما حذرت من أن انعكاسات هذه الزيادات لا تتوقف عند حدود المهنيين، بل تمتد إلى المستهلك النهائي، من خلال ارتفاع أسعار الأسماك، ما يفاقم من الضغوط الاجتماعية ويؤثر على التوازنات المعيشية للأسر.

ودعت إلى اتخاذ تدابير عاجلة للحد من هذه التداعيات، سواء عبر دعم مباشر للقطاع أو من خلال إجراءات تنظيمية تستهدف كبح جماح الأسعار.

من جهتها، دقت غرفة الصيد البحري المتوسطية بطنجة ناقوس الخطر، من خلال مراسلة رسمية دعت فيها إلى تدخل حكومي عاجل لتسقيف أسعار المحروقات، خاصة مادة الكازوال، بالنظر إلى دورها المحوري في استمرارية نشاط الصيد البحري.

وأكدت أن الارتفاع المتواصل في كلفة الوقود أدى إلى تضخم غير مسبوق في مصاريف التشغيل، ما بات يهدد توازن القطاع واستقراره.

وحذرت الهيئة المهنية من أن استمرار الوضع على حاله قد يدفع عدداً من مراكب الصيد إلى التوقف عن العمل، مع تقليص أيام الإبحار، وهو ما ستكون له تداعيات مباشرة على تموين السوق الوطنية بالمنتجات البحرية، وعلى الدخل اليومي لآلاف البحارة.

كما نبهت إلى أن غياب تدخل سريع وفعال قد يفضي إلى أزمة بنيوية داخل القطاع، تمتد آثارها إلى النسيج الاجتماعي والاقتصادي.

ودعت الغرفة إلى اعتماد حزمة من الإجراءات الاستعجالية، تشمل إلى جانب تسقيف الأسعار، فتح حوار جاد مع ممثلي المهنيين من أجل بلورة حلول مستدامة تضمن استمرارية النشاط وتحسين ظروف الاشتغال.

كما شددت على ضرورة مواكبة التحولات التي يعرفها القطاع، في ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها المتغيرات الاقتصادية والبيئية.

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن ملف أسعار المحروقات مرشح لمزيد من التصعيد في النقاش العمومي، مع تزايد الضغوط على الحكومة لاتخاذ قرارات ملموسة تخفف من حدة الأزمة.

وبين رهانات التوازنات المالية ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي، يظل التحدي قائماً لإيجاد صيغة قادرة على حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان استمرارية القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الصيد البحري، الذي يشكل أحد أعمدة الأمن الغذائي في المغرب.

آخر الأخبار