هل استطاعت حكومة أخنوش كسب رهان الإصلاح بعيدا عن السجالات؟
يواصل المشهد السياسي في المغرب تسجيل درجة ملحوظة من التوتر مع اقتراب الحكومة الحالية من إنهاء ولايتها، في سياق يتسم بتصاعد حدة المواجهة الخطابية بين مكونات المعارضة والأغلبية، على خلفية تقييم الحصيلة الحكومية ومدى وفائها بالتزاماتها الانتخابية.
وتتمحور هذه المواجهة حول قضايا جوهرية تتصل بتدبير الشأن العام، ونجاعة السياسات العمومية، وقدرة الحكومة على الاستجابة لتحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة في ظل ظرفية دولية معقدة.
وفي هذا الإطار، توجه المعارضة انتقادات متواصلة للحكومة التي يقودها عزيز أخنوش، معتبرة أنها لم تنجح في تحقيق عدد من الوعود التي شكلت أساس تعاقدها مع الناخبين، خاصة في ملفات التشغيل، والقدرة الشرائية، وإصلاح المنظومة الصحية والتعليمية.
وتذهب هذه الأطراف إلى أن المؤشرات الاجتماعية لا تعكس تحسنًا ملموسًا بالقدر الذي يتناسب مع حجم الانتظارات، مسجلة أن التدخلات الحكومية ظلت في كثير من الأحيان جزئية أو متأخرة.
في المقابل، تدافع مكونات الأغلبية الحكومية عن حصيلتها، مؤكدة أنها جاءت في سياق استثنائي طبعته أزمات متلاحقة، من تداعيات جائحة عالمية إلى اضطرابات اقتصادية دولية، وهو ما فرض، بحسبها، إعادة ترتيب الأولويات واعتماد مقاربات تدريجية في تنزيل الإصلاحات.
وتشدد على أن تقييم الأداء الحكومي لا يمكن أن يتم بمعزل عن هذه السياقات، بل ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الإكراهات البنيوية التي واجهت العمل التنفيذي خلال السنوات الخمس الماضية.
وقد دخل رئيس الحكومة على خط هذا الجدل من خلال عرض مطول قدمه أمام البرلمان، اليوم الأربعاء، أكد فيه أن حصيلة حكومته “لا يمكن اختزالها في قطاع واحد أو مؤشر معزول”، بل تمثل، وفق تعبيره، حصيلة شاملة تهم مختلف المجالات الحيوية، من الاقتصاد إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمار.
وأوضح أن هذه الحصيلة تعكس رؤية إصلاحية متكاملة جرى تنزيلها في سياق دولي يتسم باللايقين وتوالي الأزمات، وهو ما يفسر، بحسبه، طبيعة الاختيارات التي تم اعتمادها.
وشدد المسؤول الحكومي ذاته على أن الانتقادات التي تسعى إلى تجزيء هذه الحصيلة أو عزل بعض مظاهر الإكراه عن سياقها العام، تغفل أن ما تحقق هو نتيجة عمل حكومي تم في ظروف استثنائية، حيث لم تكن التحديات ظرفية فحسب، بل امتدت إلى أبعاد بنيوية وعالمية.
وأضاف أن الحكومة اختارت منذ البداية عدم اللجوء إلى الحلول السهلة أو الشعبوية، مفضلة اتخاذ قرارات وصفها بـ”الجريئة والمصيرية” من أجل إرساء أسس مغرب المستقبل.
وفي رسائل سياسية واضحة، رفض رئيس الحكومة منطق “التبخيس والمزايدة”، معتبرًا أن الرأي العام أصبح قادرًا على التمييز بين من يتحمل المسؤولية ومن يكتفي بانتقاد الأداء دون تقديم بدائل عملية.
كما أكد أن الأوراش الكبرى التي أطلقتها الحكومة، وعلى رأسها تعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح المنظومة الصحية وتحديث المدرسة العمومية، لم تكن إصلاحات ظرفية أو ذات طابع انتخابي، بل مشاريع هيكلية تتطلب نفسًا طويلًا وجرأة في اتخاذ القرار.
وفي سياق متصل، أقر رئيس الحكومة بأن مسار الإصلاح لا يخلو من صعوبات، وأن بعض القرارات قد تبدو “قاسية” في لحظتها، غير أنها تندرج ضمن ما وصفه بـ”العلاج الضروري” لضمان استدامة التوازنات الماكرو-اقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
واعتبر أن تدبير الشأن العام يشكل “امتحانًا يوميًا للضمير”، يفرض الموازنة بين متطلبات الحاضر ورهانات المستقبل، خاصة في ظل محدودية الموارد وتزايد الانتظارات.
وعلى مستوى الأرقام، أبرز العرض الحكومي ما اعتبره تطورًا مهمًا في وتيرة التشريع والإصلاح المؤسساتي، حيث تمت المصادقة على أكثر من 845 نصًا قانونيًا وتنظيميًا منذ بداية الولاية، إلى جانب إخراج ما يفوق 110 قوانين و609 مراسيم تطبيقية إلى حيز التنفيذ، وهو ما يعكس، وفق المعطيات المقدمة، دينامية تشريعية غير مسبوقة ارتبطت بإرادة سياسية لتسريع وتيرة الإصلاح.
كما سجل رئيس الحكومة ارتفاع حجم الاستثمار العمومي من 230 مليار درهم سنة 2021 إلى نحو 380 مليار درهم في أفق سنة 2026، أي بزيادة تناهز 56 في المائة، وهو ما اعتبره مؤشرًا على توجه استراتيجي يروم تعزيز البنية التحتية ودعم جاذبية الاقتصاد الوطني.
وأوضح أن هذه الاستثمارات ساهمت في ترسيخ موقع المغرب كمنصة لوجستيكية إقليمية، وتحسين الولوج إلى الخدمات العمومية، وتعزيز الاندماج الاجتماعي.
وفي بعده السياسي، أكد العرض الحكومي أن هذه الولاية شكلت محطة لتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، من خلال ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وتطوير آليات التفاعل مع انتظارات المجتمع.
وتم التأكيد في هذا السياق على أن العمل الحكومي لم يكن مجرد تدبير إداري للقطاعات، بل انخرط في بلورة رؤية شمولية تقوم على تحقيق الانسجام بين القرار العمومي وحاجيات المواطنين.
ورغم هذا التقييم الإيجابي، لم يُخف رئيس الحكومة أن الطموح لا يزال أكبر من المنجز، مشيرًا إلى أن خمس سنوات تبقى مدة محدودة في مسار التنمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بإصلاحات عميقة تتطلب تراكمًا زمنيًا واستمرارية في التنفيذ.
كما شدد على أن الدفاع عن الحصيلة الحكومية يندرج ضمن الدفاع عن خيار الإصلاح في حد ذاته، في مقابل دعوات التشكيك أو التقليل من أهمية ما تحقق.
وفي المحصلة، يعكس الجدل القائم حول الحصيلة الحكومية طبيعة المرحلة السياسية التي يمر بها المغرب، حيث تتقاطع رهانات التقييم والمساءلة مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.