قبل عيد الأضحى.. أونسا تواجه تحديات ضبط جودة سوق اللحوم

الكاتب : انس شريد

23 أبريل 2026 - 06:30
الخط :

يتصاعد القلق في المغرب بشأن وضعية سوق اللحوم الحمراء، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار واختلال توازنات العرض والطلب، وهو ما يضع الأسر المغربية أمام تحديات متزايدة لتأمين حاجياتها الغذائية الأساسية، خاصة مع اقتراب عيد الأضحى الذي يشكل محطة استهلاكية استثنائية تتضاعف خلالها الضغوط على القدرة الشرائية، لتتحول عملية اقتناء اللحوم من سلوك اعتيادي إلى هاجس يومي يؤرق فئات واسعة من المواطنين.

ويأتي هذا الوضع في سياق يتسم بتباين واضح بين وفرة نسبية في العرض من جهة، واستمرار مستويات مرتفعة للأسعار من جهة أخرى، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف متزايدة بشأن تنامي أنشطة غير مهيكلة داخل القطاع، في مقدمتها ترويج اللحوم الفاسدة أو مجهولة المصدر، التي تجد طريقها إلى الأسواق بأسعار منخفضة مقارنة باللحوم الخاضعة لمراقبة صارمة داخل المجازر المعتمدة.

وفي هذا السياق، يستغل بعض المتدخلين غير القانونيين، المعروفين في الأوساط المهنية بـ”فراقشية” اللحوم الفاسدة، حالة الإقبال على المنتجات منخفضة التكلفة، لتسويق لحوم لا تستوفي الشروط الصحية المطلوبة، مستفيدين من ضعف القدرة الشرائية لدى شريحة من المستهلكين، وهو ما يفاقم المخاطر المرتبطة بسلامة الغذاء ويطرح تحديات جدية أمام أجهزة المراقبة.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة مع انتشار ما يعرف بالذبيحة السرية، التي تعرف انتعاشا ملحوظا خلال فترات ارتفاع الطلب، حيث يتم ذبح الحيوانات خارج المسالخ المعتمدة، في غياب تام للمراقبة البيطرية والإجراءات الصحية اللازمة، ما يحول هذا المسار غير القانوني إلى بيئة خصبة لتسويق لحوم قد تكون غير صالحة للاستهلاك، وترفع من احتمالات التعرض لمخاطر صحية متعددة.

ولا تقتصر الإشكالات المطروحة على مصدر اللحوم فحسب، بل تمتد أيضا إلى ظروف نقلها وتخزينها، إذ يؤدي عدم احترام سلاسل التبريد والمعايير الصحية المعتمدة إلى تسريع وتيرة فساد اللحوم، حتى وإن كانت في الأصل سليمة، وهو ما يضاعف من تعقيد الوضع ويجعل المستهلك الحلقة الأضعف في هذه السلسلة.

وتبرز هذه التحديات بشكل أكثر حدة في المناطق القروية وشبه الحضرية، حيث تعاني منظومة المراقبة من محدودية الموارد البشرية والتقنية، الأمر الذي يتيح انتشار بعض الممارسات غير القانونية دون رصد فعال، في ظل الحاجة إلى تعزيز آليات التتبع والمراقبة الميدانية.

في المقابل، تؤكد أونسا أن ضمان جودة اللحوم الحمراء في المغرب يقوم على منظومة مراقبة متكاملة، تمتد من الضيعات إلى موائد المستهلكين، حيث أوضح عبد الغني عزي، مدير مراقبة الأغذية لدى المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، خلال ندوة نُظمت على هامش الدورة الثامنة عشرة للمعرض الدولي للفلاحة بالمغرب الذي يجرى بمدينة مكناس، أن جودة اللحوم تبدأ من الإسطبل عبر تأطير صحي دقيق للقطيع، يتم بتنسيق مع الأطباء البياطرة والسلطات المختصة، بما يضمن سلامة الحيوانات قبل وصولها إلى مرحلة الذبح.

وأشار المسؤول ذاته إلى أن المغرب يتوفر على شبكة تضم حوالي 475 مجزرة، تشمل مجازر قروية وبلدية وأخرى معتمدة، تخضع داخلها اللحوم لمسار مراقبة صارم يبدأ بالفحص القبلي للحيوانات، ويمر عبر مراقبة الذبائح والأحشاء بعد الذبح، قبل ختم المنتجات الصالحة للاستهلاك وإتلاف كل ما لا يستجيب للمعايير الصحية المعتمدة.

غير أن المعطيات الرسمية تكشف في المقابل، حسب ما قدمه المتحدث ذاته، عن تحديات بنيوية، إذ لا تتوفر سوى 19 مجزرة فقط على الاعتماد الصحي الكامل، وهو ما يعكس حجم الجهود المطلوبة لتأهيل هذا القطاع الحيوي، خاصة في ظل هيمنة المجازر القروية التي يقتصر دورها حاليا على التوزيع المحلي، ما يستدعي تسريع وتيرة تحديثها ورفع جاهزيتها لتلبية حاجيات السوق الوطنية وفق الضوابط الصحية.

وفي هذا الإطار، أكد ذات المتحدث، أن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية يعمل على تنزيل خطة لإعادة هيكلة القطاع في أفق سنة 2030، تهدف إلى إحداث شبكة عصرية من المجازر تستجيب للمعايير الوطنية والدولية، مع التركيز على تأهيل 302 مجزرة قروية ضمن برنامج استعجالي، والسعي إلى اعتماد ما لا يقل عن 120 مجزرة مطابقة للمعايير الصحية.

كما يرتكز هذا الورش الإصلاحي، حسب كلمة عبد الغني عزي، على اعتماد دفتر تحملات ودليل مرجعي لفائدة مهنيي القطاع، بهدف توحيد الممارسات وضمان احترام شروط السلامة الصحية في مختلف مراحل الإنتاج والتوزيع، إلى جانب تعزيز المراقبة عبر فرق من الأطباء البياطرة والتقنيين المختصين.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن عمليات المراقبة لا تقتصر على المجازر، بل تمتد إلى قنوات التوزيع، حيث يتم تفتيش آلاف محلات الجزارة عبر التراب الوطني، إلى جانب إجراء تحاليل مخبرية للكشف عن بقايا مواد ضارة محتملة، في إطار نظام رقابي متعدد المستويات يهدف إلى حماية صحة المستهلكين.

كما تخضع اللحوم المستوردة بدورها، حسب ذات المتحدث لإجراءات صارمة تشمل التحقق من الوثائق، ومراقبة الهوية، والتفتيش الفيزيائي، فضلا عن إلزامية التوفر على شهادة “الحلال”، بما يضمن مطابقة هذه المنتجات للمعايير الصحية والدينية المعتمدة.

ورغم هذه الجهود، يبقى التحدي الأكبر مرتبطا بمدى قدرة مختلف المتدخلين على محاصرة الأنشطة غير المهيكلة وتعزيز ثقة المستهلك في سلامة المنتجات المعروضة، في وقت يتزايد فيه وعي المواطنين بأهمية معرفة مصدر اللحوم وظروف إنتاجها، ما يفرض مزيدا من التنسيق بين الجهات المعنية لتكريس منظومة غذائية آمنة ومستدامة، خاصة مع اقتراب مناسبة عيد الأضحى.

آخر الأخبار