المعارضة تدافع عن لجنة تقصي الحقائق وتتهم خصومها بتضليل الرأي العام
عاد ملف الدعم العمومي المخصص لاستيراد الأغنام إلى صدارة النقاش السياسي والبرلماني بالمغرب، بعدما تحول من قضية مرتبطة بالتدبير الاقتصادي للأسواق إلى موضوع يثير أسئلة سياسية ورقابية متزايدة بشأن آليات صرف الأموال العمومية ومدى انعكاسها الفعلي على القدرة الشرائية للمواطنين.
ومع اتساع دائرة الجدل حول النتائج التي أفرزتها هذه العملية، ارتفعت الأصوات المطالبة بالكشف عن مختلف المعطيات المرتبطة بتدبير هذا الدعم وتقييم حصيلته على أرض الواقع.
وشهدت جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، المنعقدة يوم الثلاثاء، تجدد النقاش بشأن المبادرة الرامية إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الدعم الموجه لاستيراد الأغنام، في ظل استمرار السجال السياسي بين الأغلبية والمعارضة بشأن خلفيات هذه الخطوة وإمكانية تنزيلها وفق المقتضيات الدستورية والقانونية المنظمة لعمل المؤسسة التشريعية.
وفي هذا السياق، نفى إسماعيل العلوي، عضو الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس المستشارين، صحة المعطيات المتداولة بشأن موقف فريقه من مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق، مؤكدا أن ما يروج حول تصويت الفريق ضد هذه المبادرة لا يستند إلى وقائع حقيقية.
وأوضح خلال مداخلته أن المسطرة القانونية المتعلقة بإحداث لجان تقصي الحقائق لم تبلغ أصلا مرحلة التصويت، معتبرا أن تداول مثل هذه المعطيات يساهم في خلق انطباعات مغلوطة لدى الرأي العام حول طبيعة الإجراءات البرلمانية الجاري بها العمل.
وأشار العلوي إلى أن إحداث لجان تقصي الحقائق يخضع لمقتضيات دستورية دقيقة تبدأ بتقديم طلب رسمي يستوفي الشروط القانونية المطلوبة، قبل المرور إلى مختلف المراحل التنظيمية المرتبطة بدراسة الطلب واتخاذ القرار بشأنه.
وأضاف أن اختزال هذه المسطرة في ادعاءات سياسية أو تصريحات غير موثقة لا يخدم النقاش العمومي ولا يساعد المواطنين على تكوين صورة واضحة حول حقيقة ما يجري داخل البرلمان.
واعتبر المتحدث أن المرحلة الحالية تتطلب قدرا أكبر من المسؤولية السياسية في التعاطي مع القضايا المرتبطة بالمال العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات تستأثر باهتمام واسع من طرف المواطنين.
كما شدد على أهمية تقديم المعطيات الدقيقة للرأي العام وتجنب توظيف الأخبار غير المؤكدة في الصراعات السياسية، لما لذلك من تأثير مباشر على منسوب الثقة في المؤسسات المنتخبة.
ولم يقتصر النقاش على الجوانب المسطرية المرتبطة بلجنة تقصي الحقائق، بل امتد إلى التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي خلفها ارتفاع أسعار الأضاحي خلال الموسم الماضي. ففي الوقت الذي انتهت فيه مناسبة عيد الأضحى، ما زالت تداعياتها المالية حاضرة لدى عدد كبير من الأسر المغربية التي اضطرت إلى تحمل تكاليف مرتفعة لاقتناء الأضاحي وسط موجة غلاء غير مسبوقة طالت مختلف حلقات السوق.
وأكد العلوي أن عددا من الأسر وجد نفسه أمام ضغوط مالية متزايدة بسبب الارتفاع المسجل في أسعار الأغنام، معتبرا أن هذا الوضع أثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصا في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الأعباء الاجتماعية.
وأضاف أن العديد من الأسر اضطرت إلى تخصيص جزء مهم من مداخيلها لتغطية مصاريف اقتناء الأضاحي، الأمر الذي انعكس على توازناتها المالية خلال هذه الفترة.
وفي موازاة ذلك، تواصل مكونات من المعارضة البرلمانية تحركاتها الرامية إلى جمع العدد المطلوب من التوقيعات لتقديم طلب رسمي يقضي بإحداث لجنة لتقصي الحقائق داخل مجلس النواب.
وتشمل هذه المشاورات أحزاب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية، التي كثفت لقاءاتها خلال الأيام الماضية من أجل تنسيق المواقف وتوحيد الجهود حول هذه المبادرة الرقابية.
وترى هذه الأطراف أن فتح تحقيق برلماني موسع من شأنه توفير صورة أكثر وضوحا حول كيفية تدبير الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأغنام، والكشف عن مدى تحقيق الأهداف التي أعلنتها الحكومة عند إطلاق هذا الإجراء، خاصة ما يتعلق بضمان وفرة العرض والمساهمة في استقرار الأسعار داخل الأسواق الوطنية.
غير أن المسار الذي تسلكه المعارضة يصطدم بإكراه قانوني يتمثل في ضرورة توفير توقيعات ما لا يقل عن ثلث أعضاء مجلس النواب، وهو الشرط الذي يجعل بلوغ العتبة المطلوبة رهينا باستقطاب دعم إضافي من خارج مكونات المعارضة الحالية.
ويطرح هذا المعطى تحديا حقيقيا أمام أصحاب المبادرة، بالنظر إلى أن التمثيلية العددية للأحزاب المعارضة لا تكفي بمفردها لاستكمال النصاب المطلوب قانونا.
ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة النقاش المرتبط بفعالية الآليات الرقابية المتاحة للبرلمان وحدود استخدامها في الملفات التي تحظى باهتمام الرأي العام، خاصة تلك المرتبطة بالقدرة الشرائية وتدبير الأموال العمومية.
كما يسلط الضوء على طبيعة التوازنات السياسية داخل المؤسسة التشريعية ومدى تأثيرها على فرص تفعيل المبادرات الرقابية التي تتطلب توافقات تتجاوز الاصطفافات التقليدية بين الأغلبية والمعارضة.
ومع استمرار عمليات التنسيق وجمع التوقيعات، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تطورات قد تحدد مستقبل هذه المبادرة، سواء من خلال نجاحها في استيفاء الشروط القانونية المطلوبة أو عبر فتح نقاش سياسي أوسع حول آليات تقييم برامج الدعم العمومي وسبل تعزيز الشفافية والمحاسبة في تدبيرها.
وبين السجال السياسي القائم والأسئلة المطروحة بشأن النتائج المحققة، يبقى ملف دعم استيراد الأغنام أحد أكثر الملفات حضورا في النقاش العمومي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بانشغالات المواطنين وبالرهانات المرتبطة بحماية القدرة الشرائية وتعزيز الثقة في السياسات العمومية.