هل تهدد عتبة كامارينال حلم الربط القاري بين المغرب وإسبانيا؟
عاد مشروع النفق البحري الرابط بين المغرب وإسبانيا إلى صدارة النقاش الاستراتيجي في الضفتين، في ظل زخم جديد تعرفه العلاقات الثنائية ورغبة متبادلة في تعزيز التكامل الاقتصادي واللوجستي بين أوروبا وإفريقيا.
ويُنظر إلى هذا الورش الضخم باعتباره أحد أكثر المشاريع طموحا وتعقيدا في مجال الهندسة المدنية عالميا، بالنظر إلى طبيعته التقنية الدقيقة وكلفته المالية المرتفعة، فضلا عن أبعاده الجيوسياسية التي تتجاوز مجرد الربط الجغرافي نحو إعادة تشكيل ممرات التجارة والنقل بين الشمال والجنوب.
ويهدف المشروع إلى إحداث وصلة قارية مباشرة عبر ممر سككي تحت مياه مضيق جبل طارق، بما يتيح تسهيل حركة المسافرين ونقل البضائع في زمن قياسي، ويعزز من تنافسية الموانئ والبنيات التحتية في المنطقة.
كما يُرتقب أن يشكل، في حال خروجه إلى حيز التنفيذ، نقلة نوعية في منظومة النقل الإقليمي، عبر تقليص المسافات الزمنية وفتح آفاق أوسع للتبادل الاقتصادي والاستثماري بين القارتين.
ووفقا لما أوردته صحيفة “أوكيداريو” الإسبانية، فإن المشروع، رغم طموحه الكبير، يواجه تحديات تقنية معقدة في مقدمتها ما يُعرف بـ“عتبة كامارينال”، وهي تكوين جيولوجي تحت بحري يُشبه جبلا يفصل بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.
وتشكل هذه العتبة، حسب الصحيفة، إحدى أبرز العقبات التي قد تؤثر على مسار النفق وعلى الجدول الزمني لإنجازه، بالنظر إلى طبيعة قاع البحر غير المنتظمة والتيارات البحرية القوية التي تولد دوامات معقدة في تلك المنطقة.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن تكلفة المشروع قد تتراوح بين 7.5 و10 مليارات يورو، مع تصور هندسي يقوم على إنشاء ثلاثة أنفاق متوازية تحت قاع البحر، اثنان مخصصان لحركة القطارات لنقل الركاب والبضائع، وثالث مخصص للصيانة والتدخل في حالات الطوارئ، في حين تم استبعاد خيار مرور المركبات الخاصة في المرحلة الحالية. ويُعد هذا التصميم من بين الحلول التقنية الأكثر أمانا وملاءمة للظروف الجيولوجية المعقدة للمضيق.
كما تفيد المعطيات التقنية، التي كشفت عنها الصحيفة، بأن المسار المقترح سيربط بين منطقة بونتا بالوما جنوب إسبانيا وبونتا مالاباتا قرب طنجة، على امتداد يصل إلى نحو 42 كيلومترا، منها قرابة 27.7 كيلومترا تحت قاع البحر، مع بلوغ عمق أقصى يناهز 475 مترا. ويعكس هذا الامتداد حجم التحدي الهندسي الذي يتطلب دقة عالية في الحفر والتشييد، خاصة في ظل وجود طبقات صخرية غير متجانسة ورواسب رسوبية حديثة تزيد من تعقيد العملية.
وتبرز الدراسات الجيولوجية، بحسب المصدر ذاته، أن عتبة كامارينال تمثل أعلى نقطة في قاع المضيق على عمق يقارب 280 مترا، وهي منطقة تتأثر بتفاعل معقد بين التيارات الأطلسية والمتوسطية، ما يؤدي إلى تشكل دوامات بحرية وأنماط ترسيب غير مستقرة.
كما أن البنية الصخرية في هذه المنطقة، المرتبطة بما يُعرف بمركب “الفليش”، تتسم بالتشوه وعدم الانتظام، وهو ما يفرض تحديات إضافية أمام عمليات الحفر وضمان سلامة المنشأة على المدى الطويل، وفقا لتقرير صحيفة أوكيداريو الاسبانية.
ورغم هذه الصعوبات، تؤكد دراسات الشركة الإسبانية المكلفة بالمشروع إمكانية تجاوز هذه العقبات عبر حلول تقنية متقدمة، تشمل استخدام أحدث آلات حفر الأنفاق وتطوير تصاميم تضمن أعلى معايير السلامة، من بينها إنشاء ممرات عرضية كل مسافة محددة، ومنطقة أمان مركزية في أدنى نقطة من النفق مخصصة للتدخل في حالات الطوارئ وسحب الدخان.
وفي هذا السياق، شهد المشروع خلال سنة 2024 تقدما محدودا، حيث تم تكليف شركات متخصصة بإجراء دراسات تفصيلية لقاع البحر باستخدام تقنيات الموجات فوق الصوتية والتحليل الزلزالي، بهدف إعادة بناء البنية الجيولوجية بدقة وتحديد أفضل المسارات الممكنة. كما استعانت الجهات المشرفة بخبرات دولية رائدة في مجال حفر الأنفاق، في خطوة تعكس الحرص على تقليص المخاطر التقنية وضمان نجاح المشروع.
ويرتقب أن يتم تنفيذ المشروع على مراحل طويلة الأمد، تبدأ بحفر نفق استكشافي قد يستغرق ما بين ست وتسع سنوات، ما يعني أن أي تشغيل فعلي للنفق لن يكون قبل أفق سنة 2035 على أقل تقدير. ويعكس هذا الأفق الزمني طبيعة المشروع المعقدة، التي تتطلب تنسيقا دقيقا بين الجانبين المغربي والإسباني، إضافة إلى تعبئة موارد مالية وتقنية ضخمة.
وبين طموح الربط القاري والتحديات الجيولوجية، يظل مشروع النفق تحت مضيق جبل طارق رهانا استراتيجيا كبيرا، يعكس إرادة مشتركة لتعزيز الاندماج الإقليمي، لكنه في الوقت ذاته يظل رهينا بمدى القدرة على تجاوز عقبة “كامارينال” وغيرها من التحديات التقنية التي قد ترسم ملامح مستقبله في السنوات المقبلة.