انتقادات تدبير الأضاحي تشتعل مجددا.. والبواري يرفض تسييس العيد لتصفية الحسابات

الكاتب : انس شريد

16 يونيو 2026 - 06:30
الخط :

أعاد الجدل الذي رافق أسواق الأضاحي خلال موسم عيد الأضحى بالمغرب فتح نقاش سياسي واسع حول واقع قطاع تربية الماشية ومدى نجاعة الإجراءات الحكومية المتخذة لمواجهة تداعيات الجفاف المتواصل وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وبينما كانت الحكومة تراهن على استقرار الأسواق وضمان وفرة العرض، تفجرت موجة من الانتقادات داخل المؤسسة التشريعية بسبب الارتفاع الكبير للأسعار والصعوبات التي واجهتها شريحة واسعة من الأسر المغربية في اقتناء الأضاحي.

وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، تحول ملف الأضاحي إلى محور مواجهة سياسية بين عدد من البرلمانيين ووزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري، بعدما عبر مستشارون برلمانيون عن استغرابهم من الفارق بين المعطيات الرسمية التي تم تقديمها قبل عيد الأضحى والواقع الذي عاشه المواطنون داخل الأسواق الوطنية خلال الأيام الأخيرة التي سبقت المناسبة الدينية.

وأجمع متدخلون خلال الجلسة على أن الارتفاع المسجل في أثمان الأضاحي أثقل كاهل الأسر المغربية، خاصة الفئات المتوسطة والهشة التي وجدت نفسها عاجزة على اقتناء أضحية العيد.

واعتبر عدد من البرلمانيين أن هذه المؤشرات تعكس اختلالات واضحة في منظومة التسويق والتوزيع، وتطرح تساؤلات بشأن فعالية التدابير الاستباقية التي أعلنتها الجهات الحكومية المعنية قبل حلول العيد.

وطالب مستشارون الحكومة بتقديم توضيحات دقيقة بشأن وضعية القطيع الوطني والمعايير التي تم اعتمادها في تقدير حجم العرض المتوفر بالأسواق، معتبرين أن ما شهدته بعض المناطق من ندرة في الأضاحي وارتفاع في الأسعار يستدعي إجراء تقييم شامل للسياسات المعتمدة في تدبير القطاع خلال السنوات الأخيرة.

كما دعا بعض المتدخلين إلى فتح تحقيق بخصوص الأرقام والمعطيات التي تم الإعلان عنها للرأي العام قبل العيد، بهدف الوقوف على مدى تطابقها مع الوضع الميداني الذي عايشه المواطنون.

وفي مقابل هذه الانتقادات، دافع وزير الفلاحة أحمد البواري عن حصيلة التدابير الحكومية، مؤكداً أن ما وقع في بعض الأسواق لا يمكن اعتباره وضعاً عاماً على المستوى الوطني، بل يتعلق بحالات محدودة ومعزولة ارتبطت بضغط استثنائي على الطلب خلال الساعات الأخيرة التي سبقت عيد الأضحى.

وأوضح أن المعطيات المتوفرة لدى الوزارة تشير إلى أن الأسواق عرفت في مجملها وفرة في العرض، وأن الاختلالات المسجلة في بعض النقاط لا تعكس الصورة الشاملة لوضعية التسويق على الصعيد الوطني.

وأكد المسؤول الحكومي أن قطاع تربية الماشية تعرض خلال السنوات الماضية لضغوط كبيرة نتيجة توالي مواسم الجفاف وتداعيات جائحة كوفيد-19، وهو ما أثر بشكل مباشر على وتيرة تجديد القطيع الوطني ومستويات الإنتاج.

وأشار إلى أن البرنامج الملكي الموجه لإعادة تكوين القطيع الوطني، إلى جانب التحسن الذي عرفته التساقطات المطرية خلال الموسم الفلاحي الحالي، ساهما في استعادة جزء مهم من التوازن داخل القطاع، معتبراً أن النتائج الإيجابية لهذه الإجراءات تحتاج إلى وقت إضافي حتى تنعكس بشكل كامل على الأسواق والأسعار.

كما توقف البواري عند الجدل الذي أثاره تصريح سابق له بشأن أثمان الأضاحي، موضحاً أن الحديث عن وجود أضاحي بأسعار تبدأ من ألف درهم تم تفسيره خارج سياقه الحقيقي، وأن الوزارة سارعت إلى تقديم التوضيحات اللازمة بشأن هذه النقطة.

وشدد على أن النقاش العمومي ينبغي أن يستند إلى المعطيات الكاملة لا إلى اجتزاء التصريحات أو توظيف أجزاء منها في سياقات سياسية مختلفة.

وفي سياق متصل، دعا الوزير إلى الفصل بين النقاش السياسي المشروع وبين الرمزية الدينية والاجتماعية التي يحملها عيد الأضحى لدى المغاربة، معتبراً أن المناسبة تشكل محطة جامعة تعكس قيم التضامن والتكافل والتلاحم الاجتماعي.

وأكد أن تحويلها إلى ساحة للتجاذبات السياسية أو لتبادل الاتهامات لا يخدم مصالح المواطنين ولا يساهم في معالجة الإشكالات الحقيقية التي تواجه القطاع.

وسجل البواري أن التحديات المطروحة اليوم لم تعد مرتبطة فقط بالإنتاج الفلاحي أو بأعداد رؤوس الماشية، بل أصبحت تشمل كذلك الجوانب المرتبطة بمسالك التسويق والتوزيع وطرق تنظيم الأسواق.

كما أوضح أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب تفرض تحديث آليات التسويق المعتمدة وإعادة النظر في عدد من الممارسات التقليدية التي لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الجارية داخل القطاع.

وأبرز أن الوزارة تعمل، بتنسيق مع مختلف المتدخلين، على دراسة سبل تطوير منظومة تسويق المنتجات الفلاحية والماشية بما يضمن مزيداً من الشفافية والنجاعة ويحد من الاختلالات التي قد تظهر خلال فترات الذروة. كما شدد على أهمية تعزيز آليات المراقبة وتتبع مسارات التوزيع من أجل ضمان وصول المنتجات إلى المستهلكين في ظروف مناسبة وبأسعار أكثر توازناً.

وفي خضم هذا السجال البرلماني، يواصل ملف الأضاحي فرض نفسه كواحد من أكثر الملفات حضوراً في النقاش العمومي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالقدرة الشرائية للمواطنين وبالأوضاع الاجتماعية للأسر المغربية.

كما يعكس الجدل الدائر حوله حجم التحديات التي تواجه السياسات العمومية في تحقيق التوازن بين دعم الإنتاج الوطني وضمان استقرار الأسعار وحماية المستهلك.

ويبدو أن النقاش حول تدبير قطاع الماشية لن يتوقف، بل مرشح للاستمرار خلال المرحلة المقبلة في ظل المطالب المتزايدة بإجراء تقييم شامل للسياسات المعتمدة، والبحث عن حلول مستدامة تمكن من تعزيز الأمن الغذائي الوطني وتحقيق توازن أكبر داخل الأسواق، بما يستجيب لتطلعات المواطنين ويحافظ في الوقت نفسه على استمرارية النشاط الفلاحي ودعم الفلاحين والكسابة في مختلف جهات المملكة.

آخر الأخبار