عيد الشغل.. الأغلبية تدافع عن إصلاحاتها والمعارضة تندد بتردي الأوضاع الاجتماعية
في سياق اجتماعي وسياسي متداخل، احتفل المغرب بعيد الشغل لسنة 2026 على وقع تباين واضح في مواقف الفاعلين السياسيين والنقابيين، حيث اختارت مكونات الأغلبية الحكومية تسليط الضوء على حصيلة التدابير الاجتماعية المنجزة، في حين صعّدت قوى المعارضة من لهجتها النقدية، متهمة الحكومة بالعجز عن الاستجابة لتطلعات الشغيلة، وبإفراغ الحوار الاجتماعي من مضمونه التعاقدي.
وعرفت مختلف المدن المغربية تنظيم تجمعات خطابية ومسيرات عمالية، تحولت إلى منصات للتعبير عن تقييمات متباينة للوضع الاجتماعي، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغط على القدرة الشرائية للأسر.
وفي هذا الإطار، دافع نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال المصطف في الأغلبية، عن الحصيلة الاجتماعية للحكومة، مؤكدا أن حزبه ظل منخرطا في الترافع عن قضايا الشغيلة، وأن الإجراءات المتخذة تعكس إرادة سياسية لتحسين أوضاع الأجراء وتعزيز الحماية الاجتماعية.
وأوضح بركة، خلال مشاركته في احتفالات الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بالدار البيضاء، أن الحكومة اعتمدت حزمة من التدابير التي تستهدف دعم القدرة الشرائية، من بينها إصلاح الضريبة على الدخل لفائدة المتقاعدين، وتوسيع الإعفاءات الضريبية لتشمل شرائح أوسع من الأجراء، إلى جانب الرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور.
كما أشار إلى إقرار التقاعد النسبي في القطاع الخاص، باعتباره خطوة لتوسيع الاستفادة من المعاشات، مبرزا أن هذه الإجراءات تندرج ضمن رؤية تقوم على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
وفي معرض حديثه عن تدبير آثار الظرفية الاقتصادية الدولية، أبرز المسؤول الحكومي أن الدولة واصلت دعم عدد من المواد الأساسية والخدمات الحيوية، مثل غاز البوتان والكهرباء والنقل، معتبرا أن هذه التدخلات ساهمت في الحد من تداعيات التضخم على الفئات الهشة.
كما ربط تحسن بعض المؤشرات الفلاحية بتعزيز العرض في الأسواق الوطنية، معتبرا أن ذلك يندرج ضمن توجه يهدف إلى تحقيق السيادة الغذائية وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.
في المقابل، وجه إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المصطف في المعارضة، انتقادات لاذعة للحكومة، متهما إياها بالفشل في الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية، وبالانحياز لمصالح الشركات الكبرى على حساب المقاولات الصغرى والمتوسطة.
واعتبر، في كلمة ألقاها خلال احتفالات فاتح ماي بمدينة طنجة، أن الحصيلة الحكومية تظل دون التطلعات، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من التعهدات المعلنة لم يتم تنزيله على أرض الواقع.
وسجل لشكر أن ورش الحماية الاجتماعية، رغم ما شهده من توسع على مستوى التغطية، يطرح تحديات تتعلق بالجودة والاستدامة، محذرا من مخاطر تحويله إلى مجال لاستفادة مفرطة للقطاع الخاص دون ضمان فعالية الخدمات المقدمة. كما انتقد توزيع الدعم العمومي، معتبرا أنه لم يُوجَّه بالشكل الكافي لدعم النسيج المقاولاتي الصغير، الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
وفي السياق ذاته، دعا المتحدث إلى ربط تقييم السياسات العمومية بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين، مشددا على أن المؤشرات الحقيقية لنجاح أي سياسة تظل مرتبطة بقدرتها على تحسين مستوى العيش، وليس فقط بالأرقام المعلنة.
كما لوّح بإمكانية محاسبة الحكومة عبر صناديق الاقتراع، داعيا إلى تعبئة سياسية من أجل تغيير موازين القوى في المرحلة المقبلة.
من جانبه، شدد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المصطف في المعارضة، على أهمية توجيه النقد للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، معتبرا أن التنبيه إلى الاختلالات يهدف إلى تفادي تفاقمها والحفاظ على الاستقرار.
وأكد، خلال مشاركته في مهرجان خطابي نظمته نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، أن الأوضاع الاجتماعية، رغم صعوبتها، ما تزال قابلة للاحتواء، محذرا في المقابل من مخاطر الوصول إلى ما وصفه بـ”نقطة اللاعودة”.
وأبرز بنكيران أن الحفاظ على التوازن الاجتماعي يظل شرطا أساسيا لاستمرار الاستقرار، معتبرا أن تدهور الأوضاع المعيشية قد ينعكس سلبا على مختلف مناحي الحياة.
كما وجه انتقادات لبعض جوانب تدبير الدعم الاجتماعي، مشيرا إلى أن معايير الاستفادة تثير تساؤلات لدى فئات من المواطنين، داعيا إلى مراجعتها بما يضمن مزيدا من الإنصاف والشفافية.
وفي بعد سياسي، دعا الأمين العام لحزب العدالة والتنمية إلى تعزيز المشاركة السياسية والتسجيل في اللوائح الانتخابية، معتبرا أن العزوف عن التصويت يساهم في تكريس اختلالات المشهد السياسي، ويمنح الأفضلية للقوى المستفيدة من الوضع القائم.
كما شدد على أن العمل السياسي لا يقتصر على الفترات الانتخابية، بل يستوجب تواصلا مستمرا مع المواطنين والانخراط في قضاياهم اليومية.
وبين خطاب الأغلبية الذي يركز على إبراز المنجزات، وخطاب المعارضة الذي يشدد على الاختلالات، بدا واضحا أن ملف الشغيلة والعدالة الاجتماعية سيظل في صلب التجاذب السياسي مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية.
كما عكست احتفالات فاتح ماي استمرار التوتر بين مختلف الفاعلين حول تقييم الحصيلة الاجتماعية، في ظل ارتفاع انتظارات المواطنين من سياسات عمومية أكثر نجاعة وإنصافا.