الأبناك تحت نيران المعارضة بسبب الفوائد المرتفعة وتضييق التمويل

الكاتب : انس شريد

19 مايو 2026 - 06:30
الخط :

تتواصل شكاوى المقاولات الصغيرة والمتوسطة والأسر المغربية من الارتفاع المتزايد لكلفة القروض البنكية، في ظل تشدد مؤسسات الائتمان في شروط التمويل وارتفاع نسب الفائدة، وهو ما عمق، خلال الأشهر الأخيرة، أزمة الولوج إلى التمويل بالنسبة لفئات واسعة من المستثمرين الشباب والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغرى.

وأصبح عدد من الفاعلين الاقتصاديين يعتبرون أن القطاع البنكي بات يركز بشكل أكبر على ضمان الأرباح وتقليص هامش المخاطرة، بدل الانخراط في مواكبة الدينامية الاستثمارية وتمويل القطاعات المنتجة ذات القيمة المضافة المرتفعة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرة عدد من المقاولات على الاستمرار أو التوسع في أنشطتها الاقتصادية.

ويأتي هذا الوضع في وقت تتزايد فيه التحذيرات من انعكاسات ارتفاع كلفة القروض على القدرة الشرائية للأسر المغربية، خصوصا مع تنامي معدلات المديونية وارتفاع الاقتطاعات الشهرية، مقابل استمرار صعوبة الحصول على التمويل بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، رغم الأدوار المحورية التي يفترض أن تضطلع بها هذه الفئة في خلق فرص الشغل وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني.

كما تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى الأبناك بسبب ما يوصف باستمرار التركز البنكي وضعف المنافسة، وهو ما ينعكس، بحسب متابعين، على شروط التمويل والخدمات البنكية المقدمة للمواطنين والمقاولات.

وفي هذا السياق، فجرت مناقشة مشروع القانون رقم 87.21 المتعلق بتغيير وتتميم القانون رقم 103.12 الخاص بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، والقانون رقم 40.17 المتعلق بالقانون الأساسي لبنك المغرب، نقاشا سياسيا وبرلمانيا واسعا داخل مجلس النواب، بعدما وجهت فرق ومجموعات نيابية انتقادات قوية للمنظومة البنكية بالمغرب، محذرة من تداعيات ما وصفته بـ”تغول الأبناك” وتراجع الثقة في القطاع المالي.

وخلال الجلسة التشريعية المنعقدة اليوم الثلاثاء 19 ماي 2026، اعتبرت مكونات من المعارضة أن المشروع، رغم تقديمه باعتباره خطوة لتعزيز الاستقرار المالي وحماية النظام البنكي من الأزمات، يثير مخاوف حقيقية بشأن إمكانية تحميل دافعي الضرائب والمودعين كلفة إنقاذ المؤسسات البنكية المتعثرة، في حال وقوع أزمات مالية مستقبلا.

الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية شدد على أن المشروع يمس بشكل مباشر الأمن الاقتصادي والاجتماعي للمغاربة، مؤكدا أن الثقة في المؤسسات المالية تشكل أساس الاستقرار الاقتصادي، ومحذرا من أن أي اختلال في الحكامة أو ضعف في آليات الرقابة قد يؤدي إلى اهتزاز هذه الثقة في ظرفية اقتصادية واجتماعية دقيقة.

كما سجل الفريق أن القطاع البنكي يتحكم بشكل واسع في تمويل الاقتصاد وتوجيه الاستثمار وتحديد مصير المقاولات، معتبرا أن توسيع صلاحيات هيئة تسوية الأزمات البنكية يفتح الباب أمام إمكانية اللجوء إلى الدعم العمومي لإنقاذ مؤسسات مالية متعثرة.

وانتقد الفريق ذاته استمرار ما وصفه بالاختلالات البنكية المرتبطة بضعف الشفافية في بعض الخدمات والمنتجات المالية، وارتفاع كلفة القروض، وبطء معالجة النزاعات البنكية، إلى جانب محدودية الولوج إلى التمويل واستمرار التركز البنكي الذي يضعف المنافسة داخل القطاع.

كما اعتبر أن أي إصلاح مرتبط بالتسوية البنكية لا ينبغي أن يقتصر فقط على حماية المؤسسات المالية، بل يتعين أن يشمل أيضا حماية المواطنين والمودعين الصغار وزبناء القروض.

وفي الاتجاه نفسه، حذر الفريق الحركي من تراجع منسوب الثقة في الأبناك، معتبرا أن استمرار احتفاظ عدد من المغاربة بأموالهم خارج المؤسسات البنكية يعكس حالة من التخوف وعدم الاطمئنان تجاه القطاع.

وأكد أن مشروع القانون يهدف، من حيث المبدأ، إلى تعزيز الرقابة وتحصين المؤسسات المالية وحماية ودائع المواطنين من أي اضطرابات محتملة.

أما فريق التقدم والاشتراكية فاعتبر أن السيادة المالية تشكل جزءا أساسيا من السيادة الوطنية، داعيا إلى حماية النظام المالي الوطني من مختلف الصدمات والأزمات، مع ضرورة تعزيز الشفافية وتشجيع المنافسة الحقيقية داخل القطاع البنكي.

كما طالب بانخراط الأبناك بشكل أكبر في تمويل الاقتصاد الوطني والاستثمار المنتج، بدل التركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة الضعيفة، مشددا على أهمية مواكبة مشاريع التصنيع والاستثمارات القادرة على خلق الثروة وفرص الشغل.

وعبرت المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، بدورها عن تحفظات واسعة تجاه المشروع، معتبرة أن مقتضياته لا تعكس بشكل كامل الأهداف المعلنة، وأنه يتضمن توازنات تشريعية مفقودة قد تجعل كلفة الإصلاح البنكي تؤدى من المال العام أو من ودائع المواطنين.

وانتقدت المجموعة ما وصفته ببنية شبه احتكارية للقطاع البنكي، معتبرة أن الأبناك لا تنخرط بما يكفي في تمويل القطاعات الإنتاجية، وتفضل القطاعات الأقل مخاطرة والأضعف من حيث القيمة المضافة.

كما حذرت المجموعة من تداعيات فتح إمكانية إنقاذ الأبناك المتعثرة بالمال العام، معتبرة أن ذلك قد يشجع بعض المؤسسات المالية على التوسع في سلوكيات استثمارية محفوفة بالمخاطر، في ظل وجود تصور بإمكانية تدخل الدولة لإنقاذها عند الأزمات، وهو ما اعتبرته مسا بمبادئ المنافسة وتكافؤ الفرص.

وفي المقابل، دافعت الحكومة عن مشروع القانون، حيث قدمه وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين الميداوي، نيابة عن وزيرة الاقتصاد والمالية، موضحا أن النص يندرج ضمن سياق دولي يتسم بتزايد المخاطر المالية والحاجة إلى آليات استباقية لتدبير الأزمات البنكية المحتملة، خاصة بالنسبة للمؤسسات التي قد يؤثر تعثرها على الاستقرار المالي الوطني.

وأكد المسؤول الحكومي أن المشروع يتضمن إجراءات لتعزيز الحكامة والشفافية في منح وسحب اعتماد مؤسسات الائتمان، إلى جانب تدقيق مفاهيم مرتبطة بالمخاطر الشمولية والاستقرار المالي، فضلا عن توضيح أدوار صندوق ضمان الودائع وآليات تمويل تسوية الأزمات البنكية وفق مقاربة متعددة المصادر.

وفي ختام الجلسة، صادق مجلس النواب على مشروع القانون بموافقة 66 نائبا ومعارضة 28 نائبا، وسط استمرار الجدل السياسي والاقتصادي بشأن مستقبل القطاع البنكي بالمغرب، وحدود تدخل الدولة في حماية المؤسسات المالية، مقابل تصاعد مطالب بضمان حماية أكبر للمواطنين والمودعين وتعزيز العدالة المالية والشفافية داخل المنظومة البنكية الوطنية.

آخر الأخبار