قلق إسباني من فقدان الريادة في الخدمات اللوجستية البحرية لصالح المغرب

الكاتب : انس شريد

21 مايو 2026 - 10:00
الخط :

تشهد الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط تحولات متسارعة في موازين القوة اللوجستية، في ظل تسريع المغرب وتيرة إنجاز مشروع ميناء “الناظور غرب المتوسط”، الذي بات يفرض نفسه كأحد أبرز المشاريع الاستراتيجية القادرة على إعادة تشكيل خريطة النقل البحري والتجارة الدولية في المنطقة، وهو ما يثير في المقابل حالة من الترقب والقلق داخل الأوساط الاقتصادية والإعلامية في إسبانيا.

وتفيد تقارير إعلامية إسبانية، من بينها ما نشرته صحيفة فوزبوبولي، بأن المشروع المغربي لا يُنظر إليه باعتباره مجرد منشأة مينائية جديدة، بل كجزء من رؤية استراتيجية متكاملة تهدف إلى تعزيز موقع المغرب كمحور لوجستي إقليمي ودولي، قادر على منافسة أبرز الموانئ الأوروبية، وعلى رأسها ميناء الجزيرة الخضراء، الذي ظل لعقود يشكل نقطة عبور رئيسية بين أوروبا وإفريقيا.

ويقع ميناء الناظور غرب المتوسط على بعد نحو ثلاثين كيلومتراً من مدينة الناظور، حيث شهدت المنطقة الساحلية تحولات بنيوية عميقة بفعل أشغال تهيئة ضخمة شملت إنشاء بنى تحتية متطورة، من بينها أرصفة بحرية تمتد لعدة كيلومترات، ومرافق قادرة على استقبال أضخم السفن التجارية في العالم، باستثمارات مالية كبيرة تعكس حجم الرهان الذي تضعه الرباط على هذا المشروع.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الميناء الجديد سيبلغ طاقته الاستيعابية الأولية نحو خمسة ملايين حاوية، مع قابلية للتوسعة مستقبلاً، ما يجعله منافساً مباشراً للموانئ الكبرى في غرب المتوسط، خاصة في ظل توفره على عمق بحري يسمح باستقبال السفن العملاقة، إضافة إلى موقعه الاستراتيجي القريب من مضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

وفي هذا السياق، ترى الصحيفة الإسبانية، أن المشروع المغربي قد يساهم في إعادة توزيع حركة الشحن البحري، خصوصاً في ظل ما تصفه بـ"اختلال التوازن التنظيمي" بين الضفتين، حيث تخضع الموانئ الأوروبية لالتزامات بيئية صارمة تفرض تكاليف إضافية على شركات الملاحة، في حين يوفر الميناء المغربي شروطاً تشغيلية أكثر مرونة، ما قد يدفع عدداً من الفاعلين الدوليين إلى إعادة توجيه أنشطتهم نحو الجنوب.

وتتزايد هذه المخاوف، حسب الصحيفة، مع دخول نظام تسعير انبعاثات الكربون حيز التنفيذ داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يفرض على السفن رسوماً إضافية عند ولوجها الموانئ الأوروبية، في مقابل غياب هذه الأعباء في الموانئ الواقعة خارج الفضاء الأوروبي، الأمر الذي يفتح المجال أمام ما يعتبره مراقبون “منافسة تنظيمية” قد تعيد تشكيل خريطة الترانزيت البحري في المنطقة.

وفي موازاة ذلك، أكدت الصحيفة أن مؤشرات هذا التحول بدأت تظهر من خلال توجه بعض كبرى شركات الشحن العالمية إلى مراجعة مساراتها البحرية، وإعادة النظر في محطات التوقف الرئيسية، في ظل سعيها إلى تقليص التكاليف وتحسين الكفاءة اللوجستية، وهو ما قد يمنح الموانئ المغربية، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط وميناء الناظور غرب المتوسط، موقعا متقدما ضمن سلاسل الإمداد الدولية.

ولا يقتصر تأثير هذه التحولات على التنافس بين الموانئ، وفقا للتقارير الاسبانية بل يمتد ليشمل البنية الاقتصادية الأوسع، حيث يرتبط مضيق جبل طارق بحركة جزء مهم من التجارة العالمية، ما يجعل أي تغيير في موازين القوى اللوجستية عاملاً مؤثراً في كلفة نقل السلع وأسعارها، وبالتالي في القدرة الشرائية للمستهلكين داخل أوروبا وخارجها.

وفي ظل هذه الدينامية، يبقى مستقبل التوازنات في غرب المتوسط مفتوحاً على عدة سيناريوهات، رهينة بقدرة الفاعلين الإقليميين على التكيف مع التحولات التنظيمية والاقتصادية، وبمدى نجاح المشاريع الكبرى في تحقيق الاندماج بين البعد اللوجستي ومتطلبات الاستدامة والتنافسية في آن واحد.

آخر الأخبار