ما بين شبهة الريع السياسي وتصفية الحسابات.. هل بدأت أغلبية البيضاء تفقد تماسكها قبل الانتخابات؟
لم تعد الخلافات التي تعتمل داخل الأغلبية المسيرة لمجلس جماعة الدار البيضاء مجرد تباينات عابرة في وجهات النظر حول تدبير الشأن المحلي، بل تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى مواجهات علنية كشفت حجم الاحتقان المتراكم بين مكونات التحالف الثلاثي الذي يقود العاصمة الاقتصادية.
ومع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، باتت مؤشرات التصدع السياسي أكثر وضوحا داخل تحالف يضم أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، بعدما انتقلت الخلافات من الكواليس إلى قلب الجلسات الرسمية للمجلس.
وشكلت الدورة الاستثنائية المنعقدة، الجمعة، محطة جديدة أظهرت حجم التوتر الذي أصبح يطبع علاقة مكونات الأغلبية، بعدما تحولت أشغالها إلى ساحة للتجاذب السياسي والمواجهات الكلامية الحادة بين منتخبين يفترض أنهم ينتمون إلى جبهة تدبيرية واحدة.
فبدل أن تنصب النقاشات على الملفات المدرجة في جدول الأعمال، وعلى رأسها القضايا المرتبطة بتدبير الخدمات العمومية وعقود النظافة، طغت الخلافات السياسية على مجريات الجلسة، وانفجرت التناقضات التي ظلت لسنوات محاطة بمنطق التوافق الظاهري.
وكان ملف المركز الاجتماعي والثقافي المكانسة بمقاطعة عين الشق الشرارة التي فجرت أجواء الدورة، بعدما أثار محمد مفتاح، عن فريق الأصالة والمعاصرة، القضية المرتبطة بكسر واستبدال أقفال المركز، قبل أن يعترض شفيق بن كيران على مناقشة الموضوع خارج جدول الأعمال، معتبرا أن الملف معروض على القضاء ولا ينبغي تحويله إلى مادة للنقاش السياسي داخل الجلسة.
وسرعان ما تطور الخلاف إلى ملاسنات حادة وتبادل للاتهامات، وسط أجواء مشحونة دفعت رئيسة المجلس نبيلة الرميلي إلى رفع الجلسة مؤقتا في محاولة لإعادة الهدوء إلى القاعة.
غير أن ما جرى داخل الدورة لم يكن سوى انعكاس لصراع أعمق بين مكونات الأغلبية، خاصة بعد عودة الجدل حول ما وصفه الفريق الاستقلالي بشبهة "الريع السياسي" المرتبط بتفويت تدبير مركبين سوسيو رياضيين لفائدة جمعيتين محليتين يعتبرهما مقربتين من حزب الأصالة والمعاصرة.
واستغل رئيس الفريق الاستقلالي مصطفى حيكر انعقاد الدورة لتجديد مطالبته سلطات الولاية بالحسم في الشكاية التي سبق أن تقدم بها فريقه، مذكرا بأن الملف ما زال ينتظر التوضيحات والإجراءات اللازمة.
وأعاد هذا الملف إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إثارة للخلاف داخل الأغلبية خلال الأشهر الأخيرة، بعدما تحولت اتهامات الريع السياسي إلى عنوان بارز للصراع بين مكونات التحالف.
واعتبر حيكر، أن الأمر يقتضي توضيحات دقيقة حول معايير الاستفادة من تدبير هذه المرافق، يرى آخرون أن إثارة الملف في هذا التوقيت لا تخلو من حسابات سياسية مرتبطة بالمرحلة الانتخابية المقبلة.
ويبدو أن اقتراب نهاية الولاية الانتدابية قد ساهم في رفع منسوب التوتر بين الحلفاء أكثر من أي وقت مضى، إذ بدأت الأحزاب المشكلة للأغلبية في إعادة ترتيب أوراقها السياسية استعدادا للاستحقاقات المقبلة، وهو ما جعل كل طرف يسعى إلى تعزيز موقعه الانتخابي وإبراز تمايزه عن شركائه داخل التحالف.
ونتيجة لذلك، تحولت بعض الملفات التدبيرية إلى أدوات للمواجهة السياسية، وأصبحت جلسات المجلس مناسبة لتبادل الرسائل والانتقادات أكثر من كونها فضاء لمناقشة قضايا التنمية المحلية.
وتزداد هذه المؤشرات وضوحا في ظل تصاعد الخطاب المتبادل بين بعض المنتخبين، حيث لم يعد النقاش مقتصرا على تقييم الحصيلة أو تدبير الملفات المحلية، بل أصبح يمتد إلى التشكيك في خلفيات بعض القرارات واتهام أطراف باستغلال مواقع التدبير لخدمة مصالح سياسية وانتخابية.
وهو ما يطرح علامات استفهام حول قدرة الأغلبية الحالية على الحفاظ على تماسكها خلال ما تبقى من عمر الولاية.
وبين اتهامات تتعلق بشبهة الريع السياسي وصراعات محلية تحولت إلى مواجهات علنية داخل المجلس، يبرز سؤال سياسي ملح: هل بدأت فعلا مكونات التحالف المسير للدار البيضاء مرحلة الانفجار الداخلي، أم أن ما يجري ليس سوى مقدمات لمعركة انتخابية مبكرة يسعى خلالها كل طرف إلى تحسين موقعه قبل موعد الحسم في صناديق الاقتراع؟خ