فتح علبة "دعم الفراقشية".. هل يهدد العد التنازلي للولاية الحكومية إخراج لجنة تقصي الحقائق؟
يتجه ملف الدعم العمومي المخصص لاستيراد الأغنام نحو مرحلة جديدة من التجاذب السياسي والرقابي داخل المؤسسة التشريعية، بعدما تحولت المطالب بالكشف عن تفاصيل تدبير هذا البرنامج إلى محور نقاش متصاعد بين مكونات الأغلبية والمعارضة، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة البرلمان على تفعيل آلية لجنة تقصي الحقائق قبل إسدال الستار على الولاية التشريعية الحالية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، اكتسب الملف زخما سياسيا متناميا بعد عودة الجدل بشأن حصيلة الدعم الموجه إلى استيراد المواشي، ومدى انعكاسه على أسعار اللحوم الحمراء والقدرة الشرائية للمواطنين.
وأدى استمرار النقاش العمومي حول فعالية الإجراءات الحكومية المتخذة في هذا المجال إلى انتقال الملف من دائرة التدبير الاقتصادي إلى فضاء الرقابة السياسية والمؤسساتية، حيث برزت دعوات لإخضاع مختلف مراحل تنزيل البرنامج للتدقيق البرلماني.
وتسعى أطراف من المعارضة إلى حشد التأييد اللازم لإحداث لجنة لتقصي الحقائق بشأن تدبير الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأغنام، معتبرة أن هذه الآلية الدستورية تمثل الإطار الأنسب لتجميع المعطيات والاستماع إلى مختلف المتدخلين وتقييم النتائج المحققة مقارنة بالأهداف التي أعلنتها الحكومة عند إطلاق البرنامج.
وترى هذه الأطراف أن الرأي العام ينتظر توضيحات دقيقة بشأن أوجه صرف الأموال العمومية ومدى مساهمة الدعم في التخفيف من حدة ارتفاع الأسعار وضمان توازن السوق الوطنية.
وفي هذا السياق، برزت مواقف داخل كل من حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال تدعو إلى الانخراط في أي مسار يروم كشف مختلف المعطيات المرتبطة بملف دعم استيراد المواشي، وهو ما تم اعتباره مؤشرا في انقلاب على حزب التجمع الوطني للأحرار المصطف في الأغلبية، بشأن هذا الملف الذي أثار جدلا واسعا الفترة الأخيرة.
ويرى متابعون للشأن البرلماني أن الحراك السياسي الدائر حول الملف يعكس تنامي المطالبة بتعزيز مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتكريس الشفافية في تدبير برامج الدعم العمومي، خصوصاً تلك التي ترتبط بشكل مباشر بالقدرة الشرائية للمواطنين.
كما يعتبر هؤلاء أن الجدل الحالي يتجاوز مسألة تقييم الأثر الاقتصادي للدعم، ليشمل أيضاً آليات اتخاذ القرار ومعايير اختيار المستفيدين وطرق تتبع تنفيذ الإجراءات الحكومية المرتبطة بالقطاع.
غير أن المسار المؤدي إلى إحداث لجنة لتقصي الحقائق يواجه تحديات قانونية وزمنية قد تحد من فرص إخراجها إلى حيز الوجود.
فالمقتضيات الدستورية تفرض استكمال مسطرة دقيقة تشمل جمع العدد المطلوب من التوقيعات قبل مباشرة الإجراءات التنظيمية اللازمة، وهو ما يتطلب توافقات سياسية واسعة داخل البرلمان. كما أن اقتراب نهاية الولاية التشريعية يطرح إشكالاً إضافياً يتعلق بضيق الوقت المتبقي لإنجاز المهام المنوطة باللجنة في حال تشكيلها.
ويؤكد عدد من الفاعلين السياسيين أن عامل الزمن قد يكون الحاسم في هذا الملف، بالنظر إلى أن لجان تقصي الحقائق تحتاج إلى فترة كافية لعقد جلسات الاستماع وجمع الوثائق والمعطيات وإعداد تقريرها النهائي.
ومع اقتراب انتهاء الولاية الحالية، تبرز مخاوف من أن تتحول المبادرة إلى عنوان سياسي بارز دون أن تتمكن من بلوغ أهدافها الرقابية الكاملة على أرض الواقع.
ويستند هذا الطرح إلى التجربة البرلمانية المغربية التي عرفت لجوءا محدودا إلى هذه الآلية الرقابية منذ إقرارها.
فمنذ سنة 1979 لم يتم تفعيل لجان تقصي الحقائق سوى في عدد محدود من الملفات التي ارتبطت بقضايا اعتبرت ذات أهمية وطنية كبرى، وهو ما يجعل اللجوء إليها حدثاً استثنائياً داخل الممارسة البرلمانية المغربية.
في المقابل، أعلن الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار عدم انخراطه في المبادرة الرامية إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول مختلف أشكال الدعم الموجه لقطاع المواشي، مع تأكيده مواصلة ممارسة أدواره الرقابية عبر الآليات الدستورية الأخرى المتاحة.
واعتبر الفريق أن المبادرات السابقة المرتبطة بالموضوع لم تستكمل الشروط القانونية المطلوبة، سواء تعلق الأمر بمقترح لجنة تقصي الحقائق أو بمبادرة تشكيل لجنة استطلاعية.
وأوضح الفريق أن الإكراه الزمني المرتبط بقرب انتهاء الولاية التشريعية يشكل عائقا موضوعيا أمام نجاح المبادرة، معتبرا أن الآجال المتبقية لا تسمح باستكمال مختلف المراحل القانونية والتنظيمية اللازمة لإحداث اللجنة وإنجاز مهامها بالشكل المطلوب.
كما عبر عن تخوفه من أن يؤدي هذا المعطى إلى إفراغ المبادرة من مضمونها الرقابي وتحويلها إلى مادة للتجاذب السياسي أكثر من كونها أداة للمحاسبة المؤسساتية.
وأكد الفريق تمسكه بخيار الاستقرار الحكومي واحترام الالتزامات السياسية التي تجمع مكونات الأغلبية، مشيراً إلى أن تقييم السياسات العمومية يجب أن يتم في إطار المؤسسات والآليات الدستورية المتاحة، بما يضمن التوازن بين الرقابة البرلمانية واستمرارية العمل الحكومي.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المشاورات الجارية داخل مجلس النواب، يبقى مصير لجنة تقصي الحقائق مرتبطاً بقدرة أصحاب المبادرة على تأمين الدعم السياسي والقانوني اللازمين لتفعيلها، وبمدى تجاوز عقبة الزمن التشريعي التي تفرض نفسها بقوة على مختلف الفاعلين.
وبين مطالب الكشف عن تفاصيل تدبير الدعم العمومي والتحفظات المرتبطة بجدوى المبادرة في الظرفية الحالية، يواصل هذا الملف فرض حضوره في صدارة النقاش السياسي، مرشحا لمزيد من التطورات خلال المرحلة المقبلة.