دراسة: جيل المدارس يتبنى الأمازيغية.. والآباء يربطونها بجدوى سوق الشغل

الكاتب : الجريدة24

06 يوليو 2026 - 06:00
الخط :

بعد سنوات من إدراج الأمازيغية في المدرسة العمومية وترسيمها لغة رسمية، بدأت ملامح تحول لافت في نظرة المغاربة إليها، لكن ليس بالوتيرة نفسها بين الأجيال.

وبينما يبدو التلاميذ أكثر تقبلا لتعلمها واعتماد حرف تيفيناغ، لا يزال كثير من أولياء الأمور ينظرون إلى تدريسها بمنطق المنفعة الدراسية والمهنية، رغم اعترافهم بقيمتها الثقافية والرمزية.

هذه الخلاصة كشفتها دراسة أكاديمية حديثة نشرتها European Journal of Language Policy، أعدتها الباحثتان كوثر الصابري وضاوية العبودي، وسعت إلى قياس مدى انسجام سياسة الدولة في إدماج الأمازيغية داخل المنظومة التعليمية مع مواقف التلاميذ وأولياء أمورهم، من خلال استبيان شمل 152 تلميذا بإقليم الجديدة، إلى جانب مقابلات مع 15 من الآباء والأمهات.

وأظهرت نتائج الدراسة أن المدرسة بدأت تؤتي ثمارها في تغيير تمثلات الأجيال الجديدة، إذ عبر نحو 90 في المائة من التلاميذ عن ارتياحهم لتعلم الأمازيغية في المرحلة الابتدائية، فيما أبدى أكثر من 63 في المائة رغبتهم في مواصلة دراستها خلال المراحل التعليمية اللاحقة.

وبينت النتائج أن غالبية التلاميذ لا يعتبرون الأمازيغية عبئا إضافيا ضمن المقررات الدراسية، ويرفضون حذفها من المناهج.

وشمل هذا التحول أيضا حرف تيفيناغ، إذ أبدى أكثر من نصف التلاميذ ارتياحهم لاستعماله في القراءة والكتابة، رغم إقرار عدد منهم بأنه يمثل الجانب الأكثر صعوبة في تعلم الأمازيغية، وهو ما اعتبرته الدراسة صعوبة بيداغوجية لا تعكس رفضا للحرف أو للتوجه الرسمي المعتمد.

غير أن الدراسة رصدت في المقابل تراجعا تدريجيا في مستوى الحماس مع الانتقال إلى المراحل الدراسية العليا، حيث تنخفض نسبة المؤيدين لمواصلة تعلم الأمازيغية بشكل ملحوظ، وهو ما ربطته الباحثتان بارتفاع الضغط الدراسي واقتراب التلاميذ من الاختيارات الجامعية والمهنية.

وكشفت المعطيات الإحصائية أن السن والمستوى الدراسي يؤثران بشكل مباشر في مواقف التلاميذ تجاه الأمازيغية، بينما لم يظهر أي تأثير لعدد سنوات دراسة اللغة، ما يعني أن تطور المواقف يرتبط بالنضج الفكري والوعي بالهوية الوطنية أكثر من ارتباطه بمدة التعلم.

في المقابل، رسمت مقابلات أولياء الأمور صورة مختلفة. ورغم اتفاق أغلبهم على أن الأمازيغية تمثل جزءا أصيلا من الهوية المغربية وأن الحفاظ عليها واجب ثقافي، فإن كثيرا منهم ما زالوا يتساءلون عن مردودها العملي داخل المسار الدراسي وسوق الشغل، مقارنة بلغات مثل العربية والفرنسية.

ويرى عدد من الآباء، وفق الدراسة، أن تدريس الأمازيغية يحمل قيمة ثقافية ورمزية مهمة، لكنه لا يوفر، في تصورهم، نفس الفرص التعليمية أو المهنية التي تتيحها لغات أخرى، بينما يعتبر آخرون أن إدراجها ضمن المقررات قد يزيد من الضغط الدراسي، خاصة بالنسبة للتلاميذ في المناطق غير الناطقة بالأمازيغية.

ورغم هذه التحفظات، لم ترصد الدراسة مواقف رافضة بشكل صريح لتدريس الأمازيغية، بل وصفت مواقف أولياء الأمور بأنها "براغماتية"؛ فهم يبدون دعما للسياسة الرسمية، لكنهم لا يزالون يقيمون اللغة من زاوية العائد التعليمي والمهني أكثر من قيمتها الهوياتية.

وفي ما يتعلق بحرف تيفيناغ، أظهرت الدراسة مفارقة لافتة، إذ عبر معظم الآباء عن قبولهم باستمرار اعتماده، رغم أن غالبيتهم لا يتقنون قراءته أو كتابته، معتبرين أن لكل لغة نظامها الكتابي الخاص، وأن الحفاظ على تيفيناغ جزء من الحفاظ على الهوية الأمازيغية.

وخلصت الدراسة إلى أن المغرب يعيش تحولا هادئا في علاقة المجتمع بالأمازيغية، تقوده الأجيال التي نشأت داخل المدرسة بعد ترسيم اللغة، في حين ما تزال الأجيال الأكبر متأثرة بفترة كانت فيها الأمازيغية مهمشة في الفضاء العام والمؤسسات التعليمية.

وأوصت الدراسة بعدم الاكتفاء بتوفير المناهج والأساتذة، بل بتكثيف جهود التواصل والإقناع لفائدة الأسر، وتعزيز الوعي بالأمازيغية باعتبارها رصيدا وطنيا مشتركا، بما يضمن انتقالها من الاعتراف الدستوري إلى ممارسة مجتمعية راسخة تتقاسمها مختلف فئات المغاربة.

 

آخر الأخبار