ملف الصحة يفجر سجالا بين منتخبي الأغلبية بالدار البيضاء قبل نهاية الولاية
عاد ملف الصحة بمدينة الدار البيضاء إلى صدارة النقاش السياسي، بعدما تحول من قضية ترتبط بشكاوى المواطنين حول جودة الخدمات الصحية إلى محور سجال داخل مكونات الأغلبية الحكومية نفسها، في تطور يعكس اتساع دائرة الانتقادات الموجهة إلى واقع المنظومة الصحية، سواء على مستوى المؤسسات العمومية أو المصحات الخاصة، بالتزامن مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية وارتفاع منسوب النقاش حول حصيلة الإصلاحات التي شهدها القطاع.
ولم يعد الحديث عن الاكتظاظ وضعف الاستقبال وطول فترات الانتظار ونقص جودة الخدمات مقتصرا على المواطنين أو الفاعلين الحقوقيين، بل امتد إلى منتخبين وبرلمانيين ينتمون إلى أحزاب الأغلبية، وهو ما منح الملف بعدا سياسيا جديدا، خاصة بعدما أثارت النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة نجوى كوكوس جدلا واسعا عقب كشفها تفاصيل تجربة قالت إنها عاشتها رفقة ابنتها داخل مصحة خاصة متخصصة في طب الأطفال بمدينة الدار البيضاء، معتبرة أن ما عاينته يعكس وجود اختلالات لا تقتصر على القطاع العمومي، وإنما تمتد كذلك إلى مؤسسات العلاج الخاصة.
وأوضحت البرلمانية، من خلال تدوينة نشرتها عبر حسابها على "فيسبوك"، أنها فوجئت منذ لحظة ولوجها إلى قسم المستعجلات بطريقة استقبال المرضى، قبل أن تعبر عن استغرابها من مطالبة أسرة رضيع بإيداع مبلغ مالي قدره 10 آلاف درهم كضمان قبل مباشرة إجراءات التكفل بالحالة، كما تحدثت عن ملاحظات مرتبطة بظروف الفحص، ومستوى التركيز لدى الطبيبة المناوبة، إضافة إلى ما اعتبرته غيابا لبعض شروط الوقاية والتعقيم داخل غرفة الفحص، فضلا عن الاكتفاء، بحسب روايتها، بتشخيص عام لحالة ابنتها دون إجراء فحوصات إضافية تساعد على تحديد سبب ارتفاع درجة الحرارة.
وأثارت هذه التصريحات تفاعلا واسعا داخل الأوساط السياسية، خصوصا في صفوف مكونات الأغلبية الحكومية، بعدما اعتبر عدد من المنتخبين أن إثارة الملف بهذا الشكل تحمل أبعادا سياسية تتجاوز مجرد نقل تجربة شخصية، خاصة في مرحلة تتسم بارتفاع منسوب التنافس السياسي مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.
ووفقا لمعطيات توصلت بها الجريدة 24 من مصادرها، فإن عددا من المنتخبين المنتمين إلى حزب التجمع الوطني للأحرار عبروا عن امتعاضهم من الطريقة التي تم بها طرح الملف، معتبرين أن تسليط الضوء على قطاع الصحة من طرف منتخبين ينتمون إلى الأغلبية الحكومية يطرح تساؤلات حول طبيعة الخطاب السياسي داخل التحالف الحكومي، في وقت يفترض فيه أن يكون تقييم الأداء الحكومي قائما على المسؤولية المشتركة.
وحسب المصادر ذاتها، فقد كان من بين أبرز المتفاعلين مع الموضوع عبد الرحيم صوتي، عضو حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي انتقد ما اعتبره تحولا في خطاب بعض مسؤولي الأغلبية، مشيرا إلى أن عددا من التصريحات الأخيرة توحي وكأن أصحابها يوجدون في موقع المعارضة رغم أنهم كانوا جزءا من تدبير الشأن العام خلال السنوات الماضية، مضيفا أن المسؤولية السياسية تظل جماعية ولا يمكن التنصل منها مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية.
ويرى عدد من المنتخبين، وفق المعطيات المتوفرة للجريدة 24، أن النقاش ينبغي أن ينطلق من الوقائع والمعطيات الرسمية بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات، معتبرين أن تقييم أداء قطاع الصحة يجب أن يستند إلى المشاريع المنجزة والمؤشرات الميدانية، وليس فقط إلى السجالات السياسية التي تتصاعد كلما اقترب موعد الانتخابات.
وفي السياق ذاته، تشير المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى أن الوزير أمين التهراوي أشرف منذ توليه المسؤولية على عدد من الأنشطة والزيارات المرتبطة بجهة الدار البيضاء-سطات. فقد أعطى في 7 يوليوز 2025 انطلاقة خدمات تسعة مراكز صحية بالجهة شملت أقاليم سطات والمحمدية وبرشيد وبنسليمان والنواصر، قبل أن يطلق في 16 يناير 2026، انطلاقا من المركز الصحي "مولاي التهامي" بأولاد عزوز بإقليم النواصر، خدمات 67 مركزا صحيا على المستوى الوطني.
كما شهدت مدينة الدار البيضاء، يوم 4 ماي 2026، افتتاح النسخة الأولى من معرض "GITEX Future Health Africa Morocco"، بينما ترأس الوزير في اليوم الموالي لقاء خصص لتسريع التحول الرقمي للمنظومة الصحية على هامش المعرض، قبل أن يشارك في 10 يونيو 2026 في أول اجتماع لمجلس إدارة المجموعة الصحية الترابية بجهة الدار البيضاء-سطات برئاسة رئيس الحكومة.
وتؤكد هذه المعطيات الرسمية أن جهة الدار البيضاء-سطات احتضنت ما لا يقل عن خمس محطات وأنشطة رسمية مرتبطة بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية خلال الفترة الأخيرة.
ويبدو أن الجدل الذي أثارته تصريحات برلمانية من داخل الأغلبية يعكس انتقال النقاش حول الصحة إلى مرحلة جديدة، عنوانها مساءلة حصيلة الإصلاحات المعلنة في واحدة من أكثر القطاعات ارتباطا بالحياة اليومية للمواطنين.
ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، ينتظر أن يزداد هذا الملف حضورا في النقاش السياسي، خاصة في ظل استمرار المطالب بتحسين جودة الخدمات الصحية وضمان الولوج العادل إلى العلاج، بعيدا عن التجاذبات الحزبية، وبما يستجيب لانتظارات المواطنين الذين يضعون فعالية المنظومة الصحية في مقدمة أولوياتهم.