في أطروحة الدكتوراه، مجاهد يطرح الأسئلة الكبرى حول الصحافة والإعلام في المغرب

الكاتب : الجريدة24

17 يوليو 2026 - 12:55
الخط :

في مساء الخميس 16 يوليوز 2026، احتضنت كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة مناقشة أطروحة دكتوراه للباحث يونس مجاهد، تحت عنوان "تشكل الحقل الصحافي والإعلامي في المغرب من منظور الفاعلين"، وهي أطروحة تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول طبيعة العلاقة بين السلطة والإعلام في المغرب، مستثمرة في ذلك مقاربات بورديو حول "الحقل" و"الرأسمال الرمزي"، ومقاربات غرامشي حول الهيمنة، لتكشف عن بنية مركبة من الصراعات والتناقضات التي تطبع هذا الحقل منذ نشأته.

ينطلق مجاهد من لحظة تأسيسية، حيث ولدت الصحافة المغربية في رحم الحركة الوطنية، حاملة منذ البداية طابعا سياسيا نضاليا، لم يكن مجرد خيار مهني، بل كان امتداداً للكفاح ضد الاحتلال، وهو ما جعلها، بعد الاستقلال، رهينةً للصراع  السياسي بدل أن تكون فضاءات للاحترافية والاستقلالية. وفي المقابل، ورثت الدولة المغربية منظومة إعلامية مركزية احتكارية من فترة الحماية، أعادت توظيفها ضمن استراتيجية بناء الدولة الوطنية وترسيخ شرعيتها، فاحتفظت بالسيطرة الصارمة على الإذاعة والتلفزة بصفتهما مجالين للسيادة والسلطة الرمزية، مما جعل المضمون الإعلامي رسميا واحتفاليا، ومحدوداً في تعددية تعبيراته، وأسهم في تحويل الإعلام العمومي إلى أداة لتأطير الرأي العام وتجميل السياسات العمومية، في انزياح واضح عن جوهر الخدمة العمومية كضمان للحق في المعلومة.

غير أن الأطروحة لا تقف عند هذا التحليل التاريخي، بل تتوغل في تشريح الأزمة الاقتصادية للصحافة المكتوبة، حيث يكشف البحث عن نموذج اقتصادي مشوه، يقوم على احتكار الإشهار لصالح صحف النخبة الفرنكوفونية، رغم ضعف مبيعاتها، على حساب الصحف العربية، بينما تتفاقم الأزمة بفعل هيمنة المنصات الرقمية، وتراجع نسب القراءة، وهشاشة بنيات المقاولات، وغياب قانون ينظم الشروط الدنيا للممارسة، مما أغرَق الساحة بصحف رقمية وهمية وفردية، وأفرز ظاهرة "الابتزاز الإعلاني" التي تحوّل الإشهار إلى سلاح للضغط على الخطوط التحريرية، في انهيار واضح لأخلاقيات السوق والممارسة المهنية على حد سواء.

أما الإعلام السمعي البصري العمومي، فيظهر كميدان للهيمنة السياسية والرمزية، حيث تحولت مقومات الخدمة العمومية إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة، في غياب دور فعال للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، إزاء جمود بنيوي تعجز عن اختراقه. وحتى تجربة التحرير النسبي للقطاع، بإذاعاتها الخاصة، أنتجب في أغلبها إذاعات بمضامين ترفيهية واستهلاكية، متجنبة بعناية الخوض في القضايا السياسية الحساسة، مما يؤكد، وفق الباحث، أن أزمة الاستقلالية ليست ظرفية بل بنيوية، متجذرة في نمط العلاقة التاريخية بين الدولة والإعلام.

وفي مقاربة سوسيولوجية لأخلاقيات المهنة والأوضاع السوسيومهنية، ترصد الأطروحة مظاهر العنف اللفظي والرمزي، وانهيار الحدود بين العام والخاص، وانتقال الثقافة الشفاهية إلى الفضاء الرقمي، مما فسح المجال أمام خوض حروب بالوكالة واستغلال المنابر الإعلامية لتصفية حسابات سياسية ومالية. هذه التحولات أنتجت هشاشة متعددة الأبعاد (قانونية، اقتصادية، اجتماعية) أضعفت القدرة الرقابية والمجتمعية للمهنة، وجعلت أزمة التكوين وضعف معايير الولوج إلى المهنة تحديا مركزيا، إذ يفتقر العديد من الفاعلين الجدد إلى التأهيل المهني اللازم، مما يزيد من تعميق أزمة المصداقية والاستقلالية، ويعيد إنتاج دائرة مفرغة من الضعف المهني والتراجع الأخلاقي.

في ختام هذه القراءة التحليلية، يدعو مجاهد إلى تجاوز النظرة التقنية الضيقة للتحول الرقمي، معتبرا إياه مدخلا جوهريا لإعادة بناء صناعة إعلامية جديدة، غير أن ذلك يظل مستحيلا دون إدراج القطاع الإعلامي ضمن رؤية استراتيجية شاملة لإعادة هيكلة الصناعات الثقافية والإبداعية برمتها، باعتبارها قطاعاً إنتاجيا واستثماريا حيويا، وليس مجرد فضاء للنشر أو التعبير.

تشكلت لجنة المناقشة، من الأساتذة: عبد الله ساعف خبيرا، وعبد الله هرهار رئيسا ومقررا، وعبد الصمد مطيع مقررا، وفؤاد أعراب مقررا، ومحمد لخريصي فاحصا، وهشام كجوط فاحصا، بإشراف الأستاذ فوزي بوخريص.

وبعد المناقشة، تم منح الدكتوراه للطالب الباحث، يونس مجاهد، بميزة مشرف جدا، مع تنويه أعضاء اللجنة، والتوصية بالطبع.

آخر الأخبار