هل تسببت المعارضة في إقبار لجنة تقصي الحقائق قبل نهاية الولاية؟
عاد ملف الدعم العمومي المخصص لاستيراد وتربية المواشي إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني، مع تصاعد الجدل بشأن تعثر إحداث لجنة نيابية لتقصي الحقائق، في وقت تتواصل فيه الاتهامات المتبادلة بين مكونات الأغلبية والمعارضة حول الجهة التي تتحمل مسؤولية توقف هذا المسار الرقابي، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات حول مدى إمكانية إخراج اللجنة إلى حيز الوجود قبل انتهاء الولاية التشريعية الحالية.
ويأتي تجدد النقاش حول هذا الملف في ظل استمرار المطالب السياسية والبرلمانية بالكشف عن مختلف المعطيات المرتبطة بالدعم العمومي الذي خصص لاستيراد الأغنام والمواشي، خاصة في ظل الجدل الذي رافق البرنامج منذ إطلاقه، والأسئلة المطروحة بشأن مدى مساهمته في خفض أسعار اللحوم الحمراء وضمان تزويد الأسواق الوطنية، مقابل الدعوات المتزايدة إلى تقييم حصيلته والوقوف على أوجه صرف الأموال العمومية المخصصة له.
وازداد هذا الملف زخما بعد التصريحات التي أدلى بها أحمد التويزي، رئيس الفريق النيابي لحزب الأصالة والمعاصرة، خلال مشاركته في برنامج "للحديث بقية" الذي تبثه القناة الأولى، حيث حمل أحزاب المعارضة مسؤولية تعثر تشكيل لجنة تقصي الحقائق الخاصة بملف دعم استيراد المواشي، مؤكدا أن فريقه أعلن بشكل رسمي دعمه للمبادرة، ووجه مراسلة إلى مكونات المعارضة من أجل التنسيق بشأنها، غير أنها، بحسب قوله، لم تتفاعل مع المبادرة ولم تستكمل الخطوات الضرورية لإطلاقها.
وأوضح التويزي أن اختياره اعتماد اللقاءات المباشرة مع مختلف الفرق البرلمانية، بدل الاكتفاء بالاتصالات الهاتفية، كان يهدف إلى توفير شروط الجدية والمسؤولية في تدبير هذا الورش الرقابي، معتبرا أن غياب التنسيق حال دون استكمال المسطرة القانونية المتعلقة بإحداث لجنة تقصي الحقائق.
وفي المقابل، كان حزب العدالة والتنمية قد وجه بدوره انتقادات إلى مكونات الأغلبية البرلمانية، معتبرا أنها لم تف بالتزاماتها السابقة المرتبطة بالانخراط في هذه المبادرة. وأوضح الحزب، في بلاغ صادر عن أمانته العامة، أن عدم استكمال إجراءات التوقيع على طلب إحداث اللجنة يعكس، بحسب تقديره، غياب إرادة سياسية حقيقية لتفعيل هذه الآلية الدستورية.
واعتبر الحزب أن استمرار تعثر إخراج اللجنة أفقد المبادرة جزءا من أهدافها، منتقدا ما وصفه بتغليب الاعتبارات السياسية على ممارسة الاختصاصات الرقابية المخولة للبرلمان، خاصة في الملفات التي تحظى باهتمام واسع من قبل الرأي العام.
وفي موازاة ذلك، اتسع النقاش داخل مجلس النواب بشأن مدى إمكانية إحداث لجنة لتقصي الحقائق خلال ما تبقى من عمر الولاية التشريعية، بالنظر إلى المساطر القانونية والتنظيمية المؤطرة لهذا النوع من اللجان، والتي تقتضي استكمال عدد من الإجراءات، من بينها استيفاء الشروط القانونية لتشكيل اللجنة، وجمع الوثائق والمعطيات، والاستماع إلى مختلف المسؤولين والمتدخلين، قبل إعداد تقرير نهائي يتضمن الخلاصات والتوصيات.
كما كشف هذا الملف عن تباين في مواقف مكونات الأغلبية الحكومية بشأن آليات التعاطي مع هذا الورش الرقابي، إذ عبرت أطراف داخل حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال عن استعدادها للتفاعل مع أي مبادرة تهدف إلى كشف مختلف المعطيات المرتبطة بالدعم العمومي المخصص لقطاع المواشي، بينما تمسك الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار باللجوء إلى آليات رقابية أخرى، معتبرا أن ضيق الزمن التشريعي قد لا يسمح باستكمال أشغال لجنة لتقصي الحقائق قبل نهاية الولاية.
ويأتي هذا السجال السياسي في وقت لا يزال فيه برنامج دعم استيراد الأغنام يثير نقاشا متواصلا داخل الأوساط السياسية والبرلمانية، في ظل استمرار المطالب بالكشف عن الحصيلة الفعلية لهذا البرنامج، ومدى تحقيقه للأهداف التي أعلن عنها، سواء فيما يتعلق بالمساهمة في استقرار أسعار اللحوم الحمراء أو ضمان تموين الأسواق الوطنية، إلى جانب تقديم معطيات دقيقة بشأن كلفة الدعم وعدد المستفيدين منه وانعكاساته الاقتصادية والاجتماعية.
ويعد إحداث لجنة لتقصي الحقائق من بين أبرز الآليات الرقابية التي يخولها الدستور للبرلمان، إذ تمنح لأعضائها صلاحيات واسعة للاطلاع على الوثائق والبيانات ذات الصلة بالملفات موضوع التحقيق، والاستماع إلى مختلف المسؤولين والأطراف المعنية، قبل إعداد تقرير نهائي يتضمن الاستنتاجات والتوصيات التي تعرض على المؤسسة التشريعية، غير أن تفعيل هذه الآلية يبقى رهينا باستكمال مختلف الشروط القانونية والتنظيمية المنصوص عليها.
ومع استمرار تبادل الاتهامات بين الأغلبية والمعارضة، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الفرق البرلمانية ستنجح في تجاوز خلافاتها السياسية خلال ما تبقى من عمر الولاية التشريعية، بما يسمح بإخراج لجنة تقصي الحقائق إلى حيز الوجود، أم أن هذا الملف سينضم إلى المبادرات التي تعثرت قبل استكمال مسارها، ليبقى الجدل حول الدعم العمومي المخصص لاستيراد المواشي مفتوحا إلى حين حسم مختلف الإشكالات المرتبطة به داخل البرلمان وخارجه.