تقلبات النفط تعيد أزمة المحروقات إلى الواجهة.. وتحذيرات من زيادات جديدة في الأسعار
عاد ملف المحروقات إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي بالمغرب مع اقتراب الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، بعدما أعادت التطورات المتسارعة في أسواق الطاقة العالمية إشعال الجدل حول مستقبل أسعار الوقود وانعكاساتها على القدرة الشرائية للمواطنين.
وبينما تتزايد المخاوف من موجة ارتفاعات جديدة، عاد الجدل حول سياسة تحرير أسعار المحروقات، وتدبير السوق الوطنية، والخيارات الكفيلة بالحد من تداعيات التقلبات الدولية على الاقتصاد المغربي، في وقت تتقاطع فيه الحسابات الاقتصادية مع رهانات الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وجاءت عودة هذا الملف إلى الواجهة في ظل استمرار الاضطرابات الجيوسياسية التي تعرفها عدة مناطق من العالم، وما رافقها من تأثيرات مباشرة على أسواق الطاقة، إذ سجلت أسعار النفط خلال الأيام الأخيرة تقلبات حادة، بعدما تراجعت بشكل طفيف عقب موجة ارتفاع قوية غذتها المخاوف من اتساع رقعة التوترات العسكرية وتهديد مسارات الإمداد الدولية، وهو ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن قدرة السوق المغربية على احتواء أي زيادات جديدة في أسعار المحروقات.
ورغم التراجع المحدود الذي سجلته أسعار النفط في آخر جلسات التداول، فإن المؤشرات الدولية ما تزال تعكس استمرار الضغوط على أسواق الطاقة، في ظل استمرار النزاعات المسلحة وتعطل بعض المنشآت الطاقية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالممرات البحرية الإستراتيجية ومستويات المخزون العالمي، وهي عوامل تواصل التأثير على أسعار المشتقات النفطية في الأسواق الدولية.
وفي هذا السياق، قدم الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ "سامير"، معطيات اعتبرها مؤشراً على استمرار الضغوط التصاعدية على أسعار الغازوال، موضحاً أن متوسط سعر الغازوال في السوق الدولية انتقل، بحسب المعطيات التي عرضها، من نحو 7.5 دراهم للتر خلال النصف الأول من يوليوز 2026 إلى حوالي 9.4 دراهم للتر في النصف الثاني من الشهر نفسه، أي بارتفاع تجاوز 25 في المائة، في وقت لم يتجاوز فيه ارتفاع سعر برميل النفط الخام نسبة 10 في المائة.
وأضاف اليماني في تصريح توضيحي توصلت به الجريدة 24، أن احتساب تكاليف النقل والتأمين والضرائب وهوامش التوزيع، وفق التركيبة التي كانت معتمدة قبل تحرير أسعار المحروقات، يقود إلى توقع وصول سعر لتر الغازوال بالمغرب إلى حوالي 14.20 درهماً خلال النصف الأول من شهر غشت 2026، في حال استمرار المنحى الحالي للأسعار الدولية ودون أي تدخل من صندوق المقاصة.
ويرى المسؤول النقابي أن استمرار هذه المستويات السعرية ستكون له انعكاسات مباشرة على القدرة الشرائية للأسر المغربية، خاصة خلال فصل الصيف الذي يشهد ارتفاعاً في وتيرة التنقل والنشاط الاقتصادي والسياحي، معتبراً أن استمرار أسعار المحروقات عند مستويات مرتفعة ينعكس على كلفة النقل والإنتاج وأسعار مختلف السلع والخدمات.
وفي معرض تقييمه لوضعية القطاع، جدد اليماني انتقاده لسياسة تحرير أسعار المحروقات، معتبراً أن التجربة لم تحقق، من وجهة نظره، الأهداف التي أعلن عنها عند اعتمادها، وعلى رأسها تحسين تنافسية السوق وضمان استفادة المستهلك من تقلبات الأسعار الدولية، داعياً إلى مراجعة المنظومة الحالية بما يحقق توازناً أكبر بين متطلبات السوق وحماية القدرة الشرائية.
وقدم في هذا الإطار مجموعة من المقترحات التي اعتبرها مدخلاً لمعالجة الاختلالات التي يعرفها القطاع، من بينها مراجعة سياسة تحرير أسعار المحروقات، وتخفيف العبء الضريبي المفروض على الوقود، وإعادة تشغيل مصفاة المحمدية لتكرير البترول، وتعزيز المخزون الوطني من المحروقات، إلى جانب مراجعة الإطار التشريعي المنظم لقطاع الطاقة، وتسريع وتيرة التحول نحو الطاقات البديلة بما يعزز السيادة الطاقية للمملكة.
ويأتي هذا النقاش في وقت ما يزال فيه ملف المحروقات يحظى باهتمام واسع داخل الأوساط السياسية والاقتصادية، خاصة بعد التوضيحات التي قدمها رئيس مجلس المنافسة أحمد رحو، في وقت سابق، بشأن التسوية التصالحية التي أبرمها المجلس مع تسع شركات تنشط في توزيع المحروقات، والتي أسفرت عن فرض غرامات مالية بلغت 1.84 مليار درهم.
وأكد رحو أن هذه التسوية استندت إلى مقتضيات قانونية وتقنية واقتصادية، نافياً أن تكون مرتبطة بأي اعتبارات سياسية أو انتخابية، موضحاً أن قيمة الغرامة تمثل ما بين 60 و70 في المائة من صافي الأرباح السنوية المجمعة للشركات المعنية، والمقدرة بنحو 3 مليارات درهم، وهو ما يعكس، بحسب المجلس، طبيعة العقوبات المفروضة وهدفها المتمثل في ضمان احترام قواعد المنافسة دون التأثير على استقرار تموين السوق الوطنية.
كما أوضح رئيس مجلس المنافسة أن تطور أسعار المحروقات لا يرتبط فقط بهوامش أرباح شركات التوزيع، وإنما يتأثر بعوامل متعددة، من بينها أسعار النفط الخام في الأسواق الدولية، وتكاليف النقل والشحن، وتقلبات أسعار صرف العملات، فضلاً عن الضرائب المطبقة على المنتجات البترولية، مشيراً إلى أن هامش الربح الصافي لشركات التوزيع يناهز في المتوسط 4 في المائة من رقم معاملاتها.
ومع استمرار تقلبات أسواق الطاقة العالمية وعودة ملف المحروقات إلى صدارة النقاش العمومي، يبدو أن هذا الملف سيكون من أبرز القضايا الاقتصادية والسياسية التي سترافق الحملة الانتخابية المقبلة، في ظل تزايد مطالب الرأي العام بإيجاد حلول عملية تحد من انعكاسات ارتفاع أسعار الوقود على معيش المواطنين، وتضمن في الوقت نفسه استقرار السوق الوطنية وتأمين الإمدادات الطاقية في ظل المتغيرات الدولية المتسارعة.