من التمييز الإيجابي إلى منطق "مولات الشكارة"
جميلة السيوري
من أكثر الممارسات التي تستدعي وقفة نقدية صريحة ما نشهده، في بعض الأحزاب التقدمية والتي مازالت تدعي انها يسارية او اشتراكية او ديمقراطية ، من تراجع قيمة الكفاءة السياسية والنضالية للنساء أمام معيار القدرة المالية، إلى درجة أصبح معها المال، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عاملا مؤثرا في فرص الترشح والتمثيل.
ولا يتعلق الأمر هنا بموقف من النساء اللواتي يمتلكن إمكانيات مالية أو من حقهن الطبيعي في المشاركة والترشح؛ فالكفاءة والقدرة على تدبير الموارد ليستا عيبا في حد ذاتهما. لكن السؤال الحقيقي هو: متى يصبح المال معيارا للانتقاء السياسي؟ ومتى يتحول من مجرد وسيلة إلى شرط للولوج إلى المنافسة السياسية؟
إن خطورة هذه الممارسة تتضاعف عندما تؤدي إلى إبعاد أو تهميش نساء راكمن رصيدا حزبيا وسياسيا ونضاليا حقيقيا، قضين سنوات في العمل التنظيمي والميداني، وأسهمن في الدفاع عن قضايا الديمقراطية والمساواة وحقوق النساء، وراكمْن تجربة وكفاءة تؤهلهن طبيعيا لتحمل المسؤوليات والتمثيل السياسي، بل ودعمن بدون قيد او شرط القادة السياسيين في كل المواقف والمواقع .
فإذا كانت امرأة قد أمضت سنوات في العمل الحزبي، وأسهمت في بناء التنظيم والدفاع عن مشروعه السياسي، وكانت حاضرة في النضالات المجتمعية والمدنية، ثم وجدت نفسها خارج دائرة الاختيار لأن قدرتها المالية أقل من قدرة مرشحة أخرى، فأي رسالة نوجهها إلى النساء اللواتي نطلب منهن الانخراط والنضال والعمل الحزبي؟
و السؤال هنا يصبح أكثر إزعاجا:هل نحن بصدد إعادة تعريف الكفاءة السياسية؟ وهل أصبحت قيمة المناضلة تقاس بما تستطيع أن تنفقه، لا بما راكمته من تجربة ونضال ومصداقية وكفاءة؟
خصوصا إن التمييز الإيجابي جاء أصلا لمعالجة اختلال تاريخي في المشاركة السياسية للنساء، ولتيسير وصولهن إلى مواقع القرار، وليس لإنشاء سوق جديدة للترشيحات تكون فيها الأفضلية لمن تتوفر على موارد مالية أكبر. ولذلك فعندما تستعمل آليات يفترض أنها وضعت لتصحيح التفاوتات من أجل تفضيل القادرات على التمويل، فإننا نكون أمام مفارقة سياسية وأخلاقية عميقة: أداة وضعت لتفكيك الإقصاء قد تتحول إلى أداة لإنتاج إقصاء جديد.
و الأمر قد يصبح أخطر عندما تتقاطع هذه الممارسة مع إقصاء النساء ذوات الرصيد الحزبي والسياسي، لأننا لا نكون عندها أمام مجرد ضعف في تطبيق التمييز الإيجابي، وإنما أمام تحول في طبيعة النخبة التي تريد الأحزاب إنتاجها.
ومن هنا يطرح نفسه سؤال لا ينبغي التهرب منه:
ألا تقودنا مثل هذه الممارسات، في نهاية المطاف، إلى النموذج الذي طالما انتقدناه في الحياة السياسية المغربية: نموذج «مول الشكارة»؟
وإذا كان «مول الشكارة» هو من تتحول لديه القدرة المالية إلى مصدر للنفوذ السياسي، فما الفرق الجوهري عندما يصبح المال عاملا حاسما في اختيار المرشحات، حتى وإن كان ذلك تحت عنوان تمكين النساء؟ لإن تغيير جنس صاحب المال لا يغير بالضرورة طبيعة المنطق السياسي.
فالمرأة التي تدخل المنافسة السياسية لأنها كفؤة ومناضلة وصاحبة مشروع ليست هي نفسها، من حيث الدلالة السياسية، المرأة التي يتم تقديمها أساسا لأنها قادرة على تمويل حملتها. وكما لا نريد أن تكون السياسة حكرا على الرجال أصحاب المال والنفوذ، لا ينبغي أن نقبل بأن يعاد إنتاج المنطق ذاته في صفوف النساء.
وهنا نصل إلى أزمة أعمق تتجاوز قضية الترشيحات النسائية نفسها، وتتعلق بأزمة الفكر السياسي داخل الأحزاب، ولا سيما الأحزاب التي تقدم نفسها باعتبارها تقدمية وديمقراطية ومدافعة عن المساواة.
فما معنى أن ندافع عن العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص في خطابنا السياسي، بينما تسمح ممارساتنا التنظيمية والانتخابية بأن يصبح المال محددا للفرص السياسية؟
وما معنى أن نتحدث عن التمييز الإيجابي والمناصفة وتمكين النساء، بينما يتم في الوقت نفسه إبعاد نساء راكمن تجربة سياسية ونضالية وكفاءة، لأنهن لا يملكن الموارد المالية الكافية؟
إن هذه المفارقة تكشف عن أزمة في العلاقة بين المبادئ والممارسة، وعن تزايد تماه بين بعض الأحزاب التي يفترض أن تحمل مشروعا تغييريا وبين منطق براغماتي انتخابي قد يتحول، في غياب الضوابط والقيم، إلى انتهازية سياسية.
اكيد ان البراغماتية ليست في حد ذاتها عيبا في العمل السياسي، الا أن، الخطر يبدأ عندما تصبح النتيجة الانتخابية مبررا للتخلي عن المبادئ التي من أجلها تأسست الأحزاب أصلا.
كما ان الحزب التقدمي لا يقاس فقط بما يقوله عن المساواة، وإنما بما يفعله عندما تتعارض المساواة مع الحسابات الانتخابية. والحزب الديمقراطي لا يقاس فقط بقدرته على الفوز، وإنما أيضا بالطريقة التي يختار بها من يمثلونه، وبمدى عدالة الفرص داخل تنظيمه نفسه.
من هنا ، فإن النقاش حول ترشيح النساء يجب ألا يرتبط بعدد النساء فقط، ولا بقدرتهن على تمويل الحملات، بل يرتبط بسؤال سياسي أكبر:
أي نساء نريد أن يمثلن المجتمع؟ وأي سياسة نريد أن ننتج؟ وأي نموذج للأحزاب نريد أن نورثه للأجيال القادمة؟
هل نريد أحزابا تفتح المجال أمام الكفاءة والنضال والخبرة والمصداقية، وتوفر للنساء شروطا حقيقية للمشاركة السياسية؟
أم نريد أحزابا يصبح فيها المال والنفوذ والشبكات معيارا للترقي السياسي، بحيث لا يعود التمييز الإيجابي وسيلة لتصحيح اختلال تاريخي، وإنما يتحول إلى واجهة جديدة لإعادة إنتاج منطق "مولات الشكارة"؟
إن الدفاع عن التمييز الإيجابي اليوم يقتضي، قبل أي شيء، الدفاع عن فلسفته: تمكين من حرمن تاريخيا من فرص متكافئة، وليس استبدال معيار إقصائي بمعيار إقصائي آخر.
وإذا كانت الأحزاب عاجزة عن حماية هذا المبدأ داخلها، وعن ضمان فرص عادلة للنساء اللواتي راكمن الكفاءة والتجربة والنضال، فإن عليها أن تتحمل مسؤولية الإجابة عن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
هل ما زلنا بصدد مشروع سياسي يسعى إلى تغيير قواعد اللعبة، أم أننا بدأنا فقط نتنافس على من سيكون «مول الشكارة» الجديد، أو «مولات الشكارة» الجديدة؟