ملف السكن يرفع حرارة الانتخابات.. حلول بالجملة لمعالجة أبرز الاختلالات
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، تحول ملف السكن إلى واحد من أبرز محاور التنافس بين الأحزاب السياسية، في ظل اتساع النقاش حول القدرة على توفير سكن ملائم، وضبط سوق الإيجار، ومعالجة السكن غير اللائق والمباني المهددة بالانهيار، إلى جانب تسهيل ولوج الشباب والأسر محدودة ومتوسطة الدخل إلى الملكية.
ودخلت الأحزاب، خلال حملاتها الانتخابية، على خط هذا النقاش من خلال برامج وتصورات متباينة، تراهن من خلالها على تقديم حلول لمجموعة من الإشكالات التي يواجهها قطاع السكن، سواء في المدن أو المناطق القروية، مع اختلاف واضح في الأدوات المقترحة بين مواصلة برامج الدعم المباشر، وتوسيع العرض العمومي، وتيسير التمويل، وتشجيع البناء الذاتي، وتنظيم سوق الإيجار.
ويطرح حزب العدالة والتنمية، ضمن برنامجه الانتخابي، مراجعة برنامج الدعم المباشر للسكن بما يضمن استفادة أوسع للفئات محدودة الدخل والشباب المقبل على الزواج، إلى جانب تعبئة العقار العمومي وتشجيع التعاونيات السكنية غير الربحية.
ويقترح الحزب كذلك إعادة الامتيازات الضريبية الممنوحة للتعاونيات والوداديات والجمعيات السكنية، مع وضع آليات لتأطير عملها وحماية حقوق المستفيدين، في محاولة لمعالجة عدد من الصعوبات المرتبطة بهذا النوع من المبادرات السكنية.
وفي العالم القروي، يدعو الحزب إلى مراجعة الإطار التشريعي والتنظيمي والإجرائي المتعلق بالبناء، مع تبسيط المساطر أمام السكان، بما يتيح لهم الاستفادة من سكن لائق يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المجالات القروية ويساهم في الحد من الهجرة المرتبطة بصعوبات الولوج إلى السكن.
كما يلتزم الحزب بالانتقال من سياسة الترحيل الإداري إلى مقاربة تقوم على الإدماج والمواكبة الاجتماعية، مع إعطاء الأولوية لإعادة إيواء الأسر بالقرب من مجالات عيشها وعملها كلما سمحت الظروف بذلك، فضلاً عن تجهيز البقع السكنية بالخدمات الأساسية والمرافق العمومية قبل نقل السكان إليها.
وفي ملف المباني الآيلة للسقوط، يقترح الحزب إطلاق برنامج مندمج لمعالجة هذه الإشكالية، خصوصاً داخل المدن العتيقة، مع التشديد على عدم إفراغ الأسر من مساكنها من دون توفير بديل لائق ومتاح.
ويتضمن البرنامج أيضاً مقترحات تهم مغاربة العالم، من بينها اعتبار العقار المقتنى من طرفهم سكنا رئيسيا، بغض النظر عن سبب الاقتناء، تفاديا لفرض بعض الرسوم المرتبطة بالسكن والخدمات الجماعية في حالات استهلاك الماء والكهرباء.
ويقترح الحزب كذلك مراجعة عدد من الشروط المرتبطة بالاستفادة من الدعم السكني، بما في ذلك شرط توفر السكن المقتنى على رخصة السكن، وتقليص مدة الاحتفاظ بالسكن للاستفادة من الدعم، ورفع سقف الخصم المتعلق بتملك أو بناء السكن الرئيسي من مجموع الدخل، إلى جانب تمديد آجال استرداد مبالغ التمويل أو التأمين.
كما يتعهد بضمان توثيق عقود البيع والرهون المرتبطة بإعانة الدولة الخاصة بدعم السكن بواسطة محررات رسمية لدى العدول والموثقين.
من جهته، يضع حزب الحركة الشعبية ضمن مقترحاته تفعيل نظام الإيجار المفضي إلى التملك، إلى جانب توسيع نطاق الدعم ليشمل البناء الذاتي، ومراجعة آليات تنزيل برنامج دعم السكن بما يضمن تعميم الاستفادة منه على المستوى المجالي، وربط السياسات السكنية بتوفير مسكن ملائم لحاجيات الأسرة.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيقترح مجموعة من التدابير التي تشمل تأهيل المدن العتيقة عبر استهداف 20 ألف بناية وفق المواصفات التقليدية، إلى جانب تحديث سوق الإيجار من خلال إطار قانوني يسعى إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن بين حقوق المالكين والمكتَرين.
ويطرح الحزب أيضا إحداث مؤسسة موحدة للأعمال الاجتماعية تتولى المساهمة في إنشاء أحياء سكنية لفائدة الموظفين، فضلاً عن إطلاق مشروع لبناء عمارات مخصصة للكراء لفائدة الشباب، بأثمنة يعتبرها البرنامج مناسبة لهذه الفئة.
وفي ما يتعلق بالدعم المباشر للسكن، يدعو الحزب إلى مواصلة البرنامج والحفاظ على المستوى الحالي للدعم لفائدة 300 ألف مستفيد، إلى جانب تأهيل 100 ألف مسكن في العالم القروي، مع تخصيص دعم للأسر المستفيدة يصل إلى 40 ألف درهم، مرفقا بالمواكبة التقنية.
ويتضمن البرنامج أيضا مقترحا لمحاربة المضاربة العقارية من خلال فرض ضريبة تصاعدية على الأراضي الفارغة داخل المدن، فضلاً عن استكمال مشروع القضاء على السكن الصفيحي.
بدوره، يتعهد حزب التجمع الوطني للأحرار بمواصلة تنفيذ برنامج الدعم المباشر لاقتناء السكن الأول خلال الولاية الحكومية المقبلة، في حال تصدر الانتخابات وتشكيل الحكومة، مع الحفاظ على مستويات الدعم الحالية، والتي تصل إلى 100 ألف درهم لاقتناء سكن لا تتجاوز قيمته 700 ألف درهم، شاملة الرسوم.
ويربط الحزب سياسته السكنية أيضاً بتوسيع نطاق الدعم الاجتماعي المباشر، مقترحا رفع قيمته الشهرية من 500 إلى 1350 درهماً لفائدة أربعة ملايين أسرة، في إطار تصور يجمع بين دعم اقتناء السكن وتعزيز القدرة الشرائية للأسر.
وفي المقابل، يقترح حزب الاستقلال إنشاء آلية وطنية لضمان القروض الموجهة إلى اقتناء السكن الرئيسي، بهدف تسهيل حصول الشباب والطبقة المتوسطة على التمويل، عبر تقليص قيمة التسبيق الأولي وتخفيف شروط الاستفادة من القروض، إلى جانب تمديد آجال السداد.
ويقدم تحالف اليسار، الذي يضم فدرالية اليسار والحزب الاشتراكي الموحد، تصوراً مختلفاً يقوم بدرجة أكبر على توسيع السكن العمومي المخصص للإيجار. ويقترح التحالف إنجاز 100 ألف وحدة سكنية عمومية للإيجار الاجتماعي بحلول نهاية الولاية، على أن تظل هذه الوحدات غير قابلة للبيع، وأن يحدد بدل إيجارها في سقف لا يتجاوز 20 في المائة من دخل الأسرة.
ويمنح هذا التصور أولوية للشباب والأسر الصغيرة والأمهات العازبات، مع الدعوة إلى تجاوز النموذج الذي يربط السكن الاجتماعي أساساً بالدعم العمومي الموجه إلى المنعشين العقاريين، واعتماد مقاربة تضع السكن العمومي الميسر في صلب السياسة الاجتماعية.
ويستهدف البرنامج، الذي قدمه التحالف في الثامن من شتنبر 2026، تحقيق هدف القضاء على السكن الصفيحي، ومعالجة جميع المباني الآيلة للسقوط المدرجة ضمن عمليات الإحصاء، إلى جانب تطوير خدمات النقل العمومي في المدن التي يتجاوز عدد سكانها 100 ألف نسمة.
ورصد التحالف 6.5 مليارات درهم لمحور الحق في السكن والنقل العمومي، ضمن رؤيته للاستثمار الاجتماعي وتطوير البنيات الأساسية داخل المجالات الحضرية، فيما يقدر الغلاف المالي المخصص لبرنامج السكن اللائق وتأهيل المجالات الحضرية والأنسجة العتيقة بنحو 9.5 مليارات درهم.
ويهدف هذا الجزء من البرنامج إلى توسيع وتنويع العرض السكني الميسر والسكن المخصص للإيجار لفائدة الأسر محدودة الدخل والطبقة الوسطى، بالتوازي مع تسريع عمليات تأهيل الأنسجة العمرانية التي تواجه مخاطر أو تعاني من التدهور.
وفي سوق الإيجار، يقترح التحالف اعتماد مؤشر مرجعي جهوي لتحديد مستويات الكراء، مع ربط الزيادات بسقف مؤشر أسعار الاستهلاك، بما يهدف إلى تعزيز الاستقرار بالنسبة للمستأجرين والحد من الارتفاعات غير المنضبطة في تكاليف الإيجار.
كما يتضمن البرنامج مقترحا يمنع طرد المكتَرين من مساكنهم من دون حكم قضائي ومن دون توفير حل إيوائي، خصوصاً خلال فصل الشتاء، إلى جانب إحداث ضمانة عمومية مجانية للكراء يمكن أن تحل محل بعض الضمانات التقليدية، مثل الشيك والكفيل.
وتكشف هذه المقترحات عن تحول ملف السكن إلى ورقة انتخابية بارزة في الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بعدما أصبح القطاع مرتبطاً بشكل مباشر بعدد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية، من القدرة على تملك السكن إلى أزمة الإيجار والسكن غير اللائق والمباني المهددة بالانهيار.