انتخابات 2026.. هل ركزت الأحزاب السياسية على محاربة الفساد في برامجها؟

الكاتب : انس شريد

16 September 2026 - 08:30
الخط :

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يتسع النقاش السياسي في المغرب حول البرامج التي تطرحها الأحزاب استعدادا للمرحلة المقبلة، في وقت تتجاوز فيه انتظارات الناخبين الملفات الاجتماعية والاقتصادية المباشرة لتشمل أيضاً قضايا الحكامة والنزاهة ومحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح.

ويحضر هذا النقاش في سياق تتداخل فيه مجموعة من التحديات المرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية، وهي ملفات تجعل فعالية السياسات العمومية وجودة تدبير الموارد والمال العام من بين القضايا التي تستقطب اهتمام المواطنين.

ومع انطلاق الحملة الانتخابية، بدأت الأحزاب السياسية في الكشف عن مضامين برامجها والتزاماتها، حيث خصص بعضها حيزا واضحا لمحاربة الفساد وتضارب المصالح والريع، فيما اختارت أحزاب أخرى إدراج هذه القضايا ضمن تصورات أوسع تتعلق بإصلاح الإدارة وتعزيز الشفافية وتحسين مناخ الاستثمار وتطوير آليات الرقابة.

وفي هذا السياق، يركز حزب الأصالة والمعاصرة في شق محاربة الفساد والاختلالات في برنامجه، على أن الشركات التي تستفيد من ظروف استثنائية وتحقق أرباحاً فاحشة ينبغي أن تساهم بدورها في تمويل السياسات الاجتماعية.

وربط البام هذا التصور بالحاجة إلى مراجعة بعض الآليات الجبائية، من أجل المساهمة بقدر أكبر من التوازن في توزيع الأعباء الاقتصادية.

وفي المقابل، جعل حزب الاستقلال محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح ضمن المحاور البارزة في برنامجه الانتخابي، مقدما هذه القضايا باعتبارها مرتبطة بشكل مباشر بفعالية تدبير الشأن العام وبالكلفة التي يمكن أن يتحملها المواطن نتيجة بعض الاختلالات الاقتصادية والإدارية.

ويطرح الحزب مبدأ "صفر تسامح مع الفساد وتضارب المصالح" ضمن التزاماته، مقترحاً مجموعة من الإجراءات التي تستهدف تعزيز الشفافية وتشديد الرقابة والحد من استغلال مواقع المسؤولية لتحقيق مصالح خاصة.

ومن بين المقترحات التي يتضمنها البرنامج، الدعوة إلى وضع قانون خاص بتضارب المصالح، يحدد الحالات التي يمكن أن تنشأ فيها حالة تنافٍ بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وينظم كيفية تنحي المسؤول عن المشاركة في اتخاذ قرار تكون له فيه مصلحة شخصية، مع ترتيب آثار قانونية على إخفاء تضارب المصالح أو مخالفة القواعد المنظمة له.

كما يقترح الحزب تعزيز فعالية التصريح بالممتلكات، من خلال إسناد مهمة تتبع هذه التصريحات والتحقق من مضمونها إلى المجلس الأعلى للحسابات، مع رصد حالات الإثراء غير المشروع واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة عندما تكشف عمليات المراقبة عن مخالفات.

وفي ما يتعلق بالريع والاحتكار، يتضمن البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال مقترحاً باعتماد معدل ضريبي يصل إلى 40 في المائة على بعض الأنشطة التي تستفيد من وضعيات احتكارية أو من ريع اقتصادي استثنائي، وفق معايير قانونية وموضوعية.

ويقترح الحزب أيضا إعادة تنظيم نظام الرخص والامتيازات، من خلال الانتقال من منطق الترخيص إلى دفاتر تحملات محددة وواضحة، بما يضع شروطاً أكثر دقة للاستفادة من بعض الفرص الاقتصادية ويحد من الممارسات التي يعتبرها الحزب مرتبطة بمنطق الريع.

وعلى مستوى الإدارة، يتضمن البرنامج مقترحاً يقضي بتفعيل قاعدة "سكوت الإدارة بمثابة موافقة" داخل أجل محدد بالنسبة إلى المساطر التي تتطلب ترخيصاً إدارياً، إلى جانب اعتماد وصل إلكتروني فوري عند إيداع الطلب، بما يسمح بإثبات تاريخ تقديمه واحتساب الآجال القانونية.

ومن جهته، يضع حزب التجمع الوطني للأحرار قضايا النزاهة وتدبير المسؤولية العمومية ضمن التزاماته الانتخابية، متعهداً، في حال تصدره الانتخابات وتشكيله الحكومة المقبلة، بإبعاد كل مسؤول تحوم حوله شبهات جدية مرتبطة بالصفقات العمومية أو الميزانيات أو تضارب المصالح عن المسؤولية خلال المائة يوم الأولى من عمر الحكومة.

أما حزب العدالة والتنمية، فيطرح بدوره مجموعة من الإجراءات المرتبطة بمحاربة الفساد وتعزيز النزاهة، من بينها استكمال القوانين المتعلقة بالمخالفات المرتبطة بتنازع المصالح، انسجاماً مع مقتضيات الفصل 36 من الدستور، إلى جانب الدعوة إلى تجريم الإثراء غير المشروع والتصدي للزيادات الكبيرة وغير المبررة في الثروة.

ويمتد تصور الحزب إلى تجريم تسريب المعلومات المتميزة عندما يكون الهدف منها تحقيق منافع أو امتيازات، فضلاً عن تعزيز حماية الموظفين والمسؤولين العموميين الذين يبلغون عن أفعال فساد داخل الإدارات العمومية، وتحيين التشريع المرتبط بالتصريح الإجباري بالممتلكات.

كما يقترح الحزب مراجعة عدد من النصوص القانونية المرتبطة بتدبير الموارد والمجال العمومي، من بينها قانون المقالع وقانون الاحتلال المؤقت للملك العمومي، إلى جانب مراجعة بعض الآليات المتعلقة بالوقاية من الفساد ومكافحته.

ولا يتوقف تصور العدالة والتنمية عند الجانب التشريعي، إذ يدعو كذلك إلى تحيين وإعادة تفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، ومنح اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد دينامية جديدة، مع الحرص على انتظام اجتماعاتها ونشر مخرجاتها والعمل على تنزيل توصياتها.

ويطرح الحزب أيضا تعزيز استقلالية وفعالية مؤسسات الحكامة والنزاهة والمنافسة والرقابة المالية، مع التأكيد على ضرورة تفعيل توصياتها، وترسيخ الفصل بين المسؤولية والوظيفة العموميتين من جهة، والمصالح الاقتصادية الخاصة من جهة أخرى، فضلاً عن تعزيز شفافية العلاقات بين المسؤولين العموميين والمقاولات.

ويحضر القضاء بدوره ضمن هذا التصور، من خلال ربط محاربة الفساد بإصلاح منظومة العدالة وتعزيز استقلاليتها ونزاهتها، ومنح القضاء دوراً أكثر فعالية في حماية المال العام ومراقبة المجالات المرتبطة بالصفقات العمومية.

كما يتعهد الحزب بالعمل على ضمان سرعة وفعالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، باعتبار أن تنفيذ الأحكام يشكل جزءاً أساسياً من فعالية العدالة وترسيخ سيادة القانون.

وبعيدا عن مواقف الأحزاب، دخلت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة "ترانسبارنسي المغرب" على خط النقاش الانتخابي من خلال مبادرة هدفت إلى مساءلة الأحزاب السياسية حول مواقفها من عدد من القضايا المرتبطة بمحاربة الفساد وحماية المال العام.

وكشفت الجمعية أن أربعة أحزاب فقط تفاعلت مع المبادرة من أصل 12 حزباً وجهت إليها مراسلات في هذا الإطار، ويتعلق الأمر بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، وفيدرالية اليسار الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الموحد.

واعتبرت الجمعية أن الفترة الانتخابية تشكل مجالاً للنقاش العمومي حول البرامج والاختيارات السياسية، كما تتيح للناخبين مساءلة الأحزاب بشأن مواقفها والتزاماتها تجاه القضايا التي تهم المجتمع.

وفي قراءتها الأولية للبرامج الانتخابية، سجلت "ترانسبارنسي المغرب" تفاوتاً في حضور قضية محاربة الفساد بين مختلف البرامج، إذ اختارت بعض الأحزاب جعلها محوراً مستقلاً، بينما أدرجتها أخرى ضمن محاور أوسع تتعلق بالحكامة والشفافية والاقتصاد والاستثمار والإدارة.

وتكشف هذه المعطيات عن تعدد المقاربات التي تقدمها الأحزاب بشأن محاربة الفساد، بين من يركز على التشريع وتجريم بعض الممارسات، ومن يقترح تقوية أجهزة الرقابة والحكامة، ومن يربط الملف بالإصلاح الجبائي أو رقمنة الإدارة أو تنظيم المنافسة الاقتصادية.

وبينما تتقاطع البرامج في التأكيد على أهمية النزاهة وحماية المال العام، تختلف الأدوات المقترحة وآليات تنزيلها من حزب إلى آخر، ما يجعل النقاش الانتخابي لا يتوقف عند مستوى إعلان الالتزام بمحاربة الفساد، وإنما يمتد إلى طبيعة الإجراءات التي تقترحها كل جهة، ومدى قدرتها على تحويل تلك الالتزامات إلى سياسات وقواعد عملية خلال الولاية التشريعية المقبلة.

ومع اقتراب موعد الاقتراع، يظل ملف محاربة الفساد واحدا من الملفات التي تضع البرامج الانتخابية أمام اختبار الوعود وآليات التنفيذ، في وقت ينتظر فيه الناخبون أن تتحول الشعارات المرتبطة بالحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة إلى إجراءات واضحة ومحددة يمكن تتبع نتائجها ومساءلة المسؤولين عنها.

آخر الأخبار