أسعار اللحوم تحاصر المغاربة في عز الانتخابات.. ووعود حزبية قبل موعد الاقتراع
تحولت أسعار اللحوم الحمراء إلى واحد من أبرز الملفات الضاغطة على الأسر المغربية، بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري.
وبينما تواصل الأسعار تسجيل مستويات مرتفعة في الأسواق ومحلات البيع بالتقسيط، تتسابق الأحزاب السياسية لطرح تصوراتها بشأن معالجة الغلاء وإعادة تنظيم القطاع، في وقت باتت فيه القدرة الشرائية للمواطنين في صلب النقاش الانتخابي.
وتكشف أسعار لحوم الأغنام عن استمرار موجة الغلاء، إذ تتراوح في محلات الجزارة بالتقسيط بين 130 و180 درهما للكيلوغرام، خاصة في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط.
ورغم الإجراءات الرامية إلى تعزيز العرض عبر السماح باستيراد الأغنام، بهدف دعم تموين السوق والمساهمة في الحفاظ على القطيع الوطني، لم تنجح هذه التدابير حتى الآن في دفع الأسعار إلى مستويات أكثر انخفاضا.
ويرتبط استمرار الأسعار المرتفعة، وفق المعطيات المتداولة في القطاع، بعدة عوامل، من بينها ارتفاع أسعار الأغنام في الأسواق الأوروبية، إلى جانب تأثير الضريبة على القيمة المضافة المفروضة على الواردات، وهو ما حد من انعكاس عمليات الاستيراد بشكل ملموس على الأسعار التي يواجهها المستهلك في السوق المحلية.
وفي خضم هذه الوضعية، قدمت مجموعة من الأحزاب السياسية تصورات مختلفة لمعالجة ارتفاع الأسعار، وإعادة تنظيم مسالك الإنتاج والتوزيع، ودعم المربين والمنتجين، بما يهدف إلى تحقيق توازن أكبر بين مصالح المنتجين والقدرة الشرائية للمستهلكين.
ويأخذ هذا الطرح بعدًا انتخابيًا لافتًا، خصوصًا أن عددًا من الأحزاب التي تطرح اليوم حلولًا لمواجهة غلاء اللحوم سبق لها أن شاركت في تدبير الشأن العام خلال الولاية الحكومية الماضية، سواء من داخل الأغلبية أو من موقع المعارضة.
ويضع هذا المعطى البرامج والوعود المطروحة أمام اختبار مدى قابليتها للتنفيذ، وقدرتها على الانتقال من التصورات المعلنة إلى إجراءات عملية تنعكس بشكل مباشر على السوق والقدرة الشرائية للمواطنين.
وفي هذا السياق، يقترح حزب الأصالة والمعاصرة مجموعة من التدابير لإعادة تنظيم سوق اللحوم والحد من ارتفاع الأسعار، من بينها إحداث ست شركات جهوية للتوزيع، إلى جانب إصلاح سلاسل التوزيع وتحديث أسواق الجملة، بهدف تقليص عدد الوسطاء ومحاصرة المضاربات التي ترفع تكلفة المنتوج قبل وصوله إلى المستهلك.
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فيطرح ضمن برنامجه الانتخابي حزمة من الإجراءات الاجتماعية، تربط الدعم الاجتماعي المباشر بمعدلات التضخم، في محاولة للتخفيف من تأثير ارتفاع الأسعار على الأسر.
ومن جهته، يضع حزب الاستقلال تحسين القدرة الشرائية في صلب برنامجه للفترة 2026-2031، ويقترح إحداث شركات جهوية تتولى اقتناء وتخزين وتوزيع المنتجات الفلاحية والغذائية، بما يشمل تعزيز آليات التدخل في سلاسل التوزيع والحد من الاختلالات التي قد تنعكس على الأسعار النهائية.
وفي المقابل، يقترح حزب العدالة والتنمية مقاربة تقوم على إعادة توجيه الدعم نحو الإنتاج الوطني، من خلال إلغاء الإعفاءات الجمركية والضريبية المرتبطة باستيراد المواشي واللحوم، وتعويضها بدعم مباشر للفلاحين والكسابة الصغار والمتوسطين، بهدف المساهمة في إعادة تكوين القطيع الوطني والحفاظ عليه.
وتتضمن مقترحات حزب الحركة الشعبية إجراءات أكثر ارتباطًا بالسعر النهائي، من بينها العمل على تحديد سقف لأسعار بيع اللحوم الحمراء بما يراعي القدرة الشرائية للمواطنين، إلى جانب ربط الاستفادة من الدعم العمومي بدفاتر تحملات صارمة، تضمن توجيه الإنتاج المدعوم نحو السوق الوطنية وفق شروط وأسعار محددة.
بدوره، يركز حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على دعم الفلاحين الصغار والكسابة الفعليين، مع إعادة توجيه الدعم العمومي نحو المنتجين بدل الاقتصار على كبار المستوردين، إلى جانب تشديد مراقبة مسالك التوزيع وأسواق الجملة ومحاربة المضاربين والوسطاء الذين يساهمون في رفع الأسعار.
وتكشف تعدد المقترحات الحزبية عن اختلاف واضح في طرق التعامل مع أزمة اللحوم الحمراء، بين من يركز على تنظيم التوزيع ومحاربة الوسطاء، ومن يراهن على دعم الإنتاج الوطني وإعادة بناء القطيع، ومن يقترح تدخلًا مباشرًا في الأسعار أو آليات الدعم الاجتماعي.
غير أن تنزيل هذه التصورات على أرض الواقع يظل مرتبطًا بمجموعة من التحديات، في مقدمتها ضمان استمرارية الإنتاج الوطني، والتحكم في تكاليف التربية والأعلاف، وتأمين عرض كافٍ، إلى جانب إعادة تنظيم حلقات التوزيع بما يقلص الفوارق بين سعر المنتج وسعر البيع النهائي.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تستمر أسعار اللحوم الحمراء في فرض نفسها كأحد الملفات التي تحظى باهتمام المواطنين، في وقت تقدم فيه الأحزاب برامج وحلولا مختلفة لمعالجة الغلاء وتحسين القدرة الشرائية.
وبين ارتفاع الأسعار وتعدد المقترحات، يبقى التحدي الأساسي متمثلًا في قدرة السياسات العمومية المقبلة على الانتقال من مستوى الوعود والبرامج إلى إجراءات عملية تنعكس بشكل مباشر على السوق وعلى ميزانية الأسر.