وزارة الفلاحة تغادر قبضة الأحرار.. حاتيمي أمام اختبار الأمن الغذائي وإصلاح منظومة الإنتاج والتسويق

الكاتب : انس شريد

16 October 2026 - 07:30
الخط :

تدخل وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات مرحلة جديدة مع تعيين خالد حاتيمي وزيراً للفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، ضمن الحكومة التي ترأسها فاطمة الزهراء المنصوري، المعلن عن تشكيلتها يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026.

ويأتي هذا التغيير في سياق تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقلب أسعار المواد الغذائية، ما يجعل المسؤولية الجديدة اختباراً لمدى قدرة الحكومة على إعادة ترتيب أولويات السياسة الفلاحية وتحقيق توازن أفضل بين مصالح المنتجين والقدرة الشرائية للمستهلكين.

ويكتسي انتقال الحقيبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة أهمية سياسية بالنظر إلى المسار الذي عرفه تدبير القطاع خلال السنوات الماضية، بعدما تولى عزيز أخنوش وزارة الفلاحة سنة 2007، واستمر القطاع ضمن دائرة نفوذ التجمع الوطني للأحرار خلال مراحل حكومية متعاقبة، تعاقب فيها على المسؤولية عدد من الوزراء، من بينهم محمد صديقي وأحمد البواري.

وخلال هذه الفترة، اعتمدت الدولة مخطط "المغرب الأخضر"، قبل إطلاق استراتيجية "الجيل الأخضر"، بهدف تحديث الإنتاج، وتحسين مردودية الاستغلاليات، وتطوير سلاسل التصدير، وتشجيع الاستثمار.

غير أن التحولات المناخية والضغوط الاجتماعية والاقتصادية أعادت طرح أسئلة بشأن نتائج هذه الاختيارات، ومدى انعكاسها على الأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية وأوضاع الفلاحين الصغار.

ويستند حاتيمي إلى تجربة مهنية في مجال إدارة الأعمال، إلى جانب مساره السياسي والبرلماني ضمن حزب الأصالة والمعاصرة.

فقد انتُخب عضواً بمجلس النواب عن دائرة تارودانت الجنوبية خلال الولاية التشريعية 2021-2026، واشتغل ضمن لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، كما سبق له تولي منصب المدير العام لشركة كوكاكولا بالمغرب.

وتضعه هذه الخلفية أمام مسؤولية الانتقال من العمل التشريعي والتجربة في تدبير المقاولات إلى قيادة قطاع تتداخل فيه اعتبارات الإنتاج والاستثمار والتشغيل والتوازنات المجالية، فضلاً عن ارتباطه المباشر بالأمن الغذائي واستقرار الأسواق.

ويتصدر تدبير الموارد المائية قائمة الملفات المطروحة على الوزير الجديد، في ظل توالي مواسم الجفاف وتراجع التساقطات في عدد من المناطق، وما يرافق ذلك من ضغط على الفرشات المائية وتزايد صعوبة توفير المياه اللازمة للري.

ويستدعي هذا الوضع مراجعة الأولويات الزراعية وفق الإمكانات المائية المتاحة، وتقييم جدوى الزراعات الأكثر استهلاكاً للمياه، وتسريع اعتماد تقنيات الري المقتصدة، مع توجيه الاستثمارات نحو حلول تضمن استمرارية الإنتاج دون استنزاف الموارد.

كما يفرض التحدي المائي تعزيز التنسيق بين السياسة الفلاحية وتدبير الموارد المائية، بما يحد من مخاطر تراجع الإنتاج ويعزز قدرة البلاد على مواجهة التقلبات المناخية.

ويمثل التوازن بين الإنتاج الموجه إلى التصدير وتلبية حاجيات السوق الوطنية تحدياً آخر أمام الوزارة، خصوصاً في ظل استمرار النقاش حول أسعار المنتجات الغذائية ومدى استفادة المستهلك من تطور الاستثمارات الفلاحية.

ولا يقتضي ذلك التخلي عن الصادرات التي تشكل مصدراً للعملة الصعبة وفرص الشغل، بقدر ما يستدعي اعتماد سياسة تضمن تلبية الطلب الداخلي، وتحسين توجيه الإنتاج، وتطوير سلاسل التوزيع والتخزين، والحد من الاختلالات التي قد ترفع الأسعار بين المنتج والمستهلك.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية إصلاح أسواق الجملة، وتعزيز الشفافية في المعاملات، ومراجعة تعدد حلقات الوساطة، بما يسمح بتحسين تسويق المنتجات وتقليص الفجوة بين أسعار البيع من المنتج وأسعار اقتنائها من طرف الأسر.

ويطرح الدعم العمومي بدوره ضرورة تقييم البرامج الفلاحية المعتمدة، من خلال قياس أثرها الفعلي على الإنتاجية ودخل الفلاحين واستدامة الاستغلاليات، بدل الاكتفاء بحجم الاعتمادات المالية أو عدد المشاريع المنجزة.

ويتطلب ذلك توجيهاً أكثر دقة للدعم نحو الفلاحين الصغار والمتوسطين، وتسهيل ولوجهم إلى التمويل والتجهيزات والتقنيات الحديثة، إلى جانب تعزيز التأمين الفلاحي وآليات مواجهة المخاطر المناخية.

كما تظل مراجعة حصيلة مخططي «المغرب الأخضر» و«الجيل الأخضر» ضرورية لتحديد مكامن القوة والاختلال، وتقييم مدى قدرة البرامج السابقة على ضمان استقرار الإنتاج وتحسين ظروف العيش في العالم القروي.

ولا تقتصر الملفات المنتظرة على الجوانب الإنتاجية والتجارية، بل تشمل أيضاً الأوضاع الاجتماعية والمهنية للعاملين في القطاع الفلاحي.

فقد دعت الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي إلى مراجعة السياسات المرتبطة بالدعم والتسويق، وربط تطوير الإنتاج بتحسين ظروف العمل وتعزيز الحماية الاجتماعية وفك العزلة عن المناطق القروية التي تعاني نقصاً في التجهيزات والخدمات الأساسية.

كما طالبت بمعالجة الملفات المطلبية العالقة لفئات الشغيلة الفلاحية، بما يشمل الموظفين والمستخدمين والعمال الزراعيين والمتعاونين الغابويين، إلى جانب تعزيز الحوار الاجتماعي وتسريع تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.

وتشمل المطالب النقابية كذلك مراجعة الأنظمة الأساسية لمختلف فئات الموظفين، والحد من تراجع القدرة الشرائية للأجراء، وتقليص الفوارق بين الحد الأدنى للأجور في القطاعين الصناعي والفلاحي، المعروفين اختصاراً بـSMIG وSMAG.

كما تدعو الجامعة إلى إقرار السلم المتحرك للأثمان والأجور، بما يتيح مواكبة تغير تكاليف المعيشة، فضلاً عن فتح النقاش بشأن الإصلاحات الاجتماعية والتشريعية التي ترى أنها تؤثر في مصالح الطبقة العاملة.

وتضع هذه المطالب الوزارة أمام تحدي التوفيق بين تحسين تنافسية القطاع، وضمان شروط عمل لائقة، وتعزيز العدالة الاجتماعية داخل منظومة يعتمد جزء مهم منها على اليد العاملة الزراعية.

آخر الأخبار