بنعبد الله أمام اختبار إصلاح التعليم.. وعود انتخابية بالأرقام وانتظارات كبيرة من المدرسة العمومية

الكاتب : انس شريد

16 October 2026 - 08:30
الخط :

عاد ملف إصلاح المنظومة التعليمية إلى واجهة النقاش السياسي بالمغرب، عقب تعيين نبيل بنعبد الله وزيرا للتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، في مرحلة تتزايد فيها الانتظارات بشأن تحسين جودة التعلمات والحد من الهدر المدرسي وتقليص الفوارق بين المؤسسات التعليمية في الوسطين القروي والحضري.

وخلال مراسم تسليم السلط مع الوزير السابق محمد سعد برادة، الجمعة 16 أكتوبر 2026، أكد الوزير الجديد إدراكه لحجم التحديات التي تنتظر القطاع، مشدداً على ضرورة الاستجابة لتطلعات الأسر والتلاميذ، والارتكاز على المكتسبات السابقة في تدبير المنظومة التعليمية، مع إضفاء توجهه السياسي على المرحلة المقبلة.

وأوضح بنعبد الله في تصريحات صحفية، أن قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني يواجه ملفات متعددة تتطلب عملاً متواصلاً، في مقدمتها محاربة الهدر المدرسي، وتأهيل المنظومة التعليمية، وتحسين ظروف التعلم، بما يتيح للأطفال واليافعين والشباب فرصاً أفضل للنجاح والاندماج في المجتمع.

وشدد المسؤول الحكومي على أن المدرسة العمومية تظل في صلب الانتظارات المجتمعية، بالنظر إلى دورها في ضمان تكافؤ الفرص وتحقيق النجاح الدراسي.

كما عبّر عن أمله في أن يكون عند مستوى الثقة الموضوعة فيه، مؤكداً أهمية البناء على التراكمات السابقة، إلى جانب اعتماد مقاربة تستجيب لمتطلبات المرحلة الجديدة.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بالنظر إلى الالتزامات التي سبق ان أعلنها حزب التقدم والاشتراكية، الذي يقوده بنعبد الله، ضمن برنامجه الانتخابي للفترة 2027-2031، والذي يتضمن مجموعة من الأهداف الكمية والتدابير العملية الرامية إلى إحداث تحول في قطاع التربية والتكوين.

ويضع البرنامج المدرسة العمومية في صدارة أولوياته، باعتبارها مدخلاً أساسياً لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، ويطرح إصلاحاً يستهدف تحسين مستوى التحصيل الدراسي، وتطوير البنيات التحتية، والارتقاء بأوضاع هيئة التدريس، وتوسيع فرص الاستفادة من التعليم الأولي والتكوين المهني.

وفي مقدمة الأهداف المعلنة، يبرز التزام الحزب بتحسين التعلمات الأساسية لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية، ولا سيما في القراءة والكتابة والرياضيات والفهم، إلى جانب السعي إلى تعزيز موقع المغرب في الاختبارات الدولية، من بينها PISA وTIMSS وPIRLS، التي تقيس مستويات التحصيل الدراسي لدى المتعلمين.

ويستهدف البرنامج أيضاً تقليص الهدر المدرسي بنسبة 50 في المائة بحلول سنة 2031، مع إعطاء أهمية خاصة للسلك الإعدادي، الذي يمثل إحدى المحطات الحساسة في المسار الدراسي.

كما يتضمن خفض نسبة الرسوب في امتحانات البكالوريا بنسبة 30 في المائة، وتقليص الفوارق في جودة التعليم بين المناطق القروية والحضرية.

وفي الجانب المرتبط بالتمكن اللغوي، يقترح الحزب تمكين جميع الحاصلين على شهادة البكالوريا من بلوغ المستوى B2 على الأقل في إحدى اللغات الأجنبية، مع استهداف وصول 20 في المائة منهم إلى المستوى C1، وفق التصنيف الأوروبي المرجعي للكفايات اللغوية.

ولا تقتصر الالتزامات المعلنة على التعليم العام، بل تمتد إلى التكوين المهني، الذي يسعى البرنامج إلى تعزيز جاذبيته وتوسيع قاعدة المستفيدين منه، من خلال رفع نسبة التلاميذ الذين يتابعون هذا المسار إلى 15 في المائة، مقابل نسبة مرجعية تبلغ 1 في المائة وردت في البرنامج الانتخابي.

كما يولي التصور أهمية لتعميم التعليم الأولي وتطويره، عبر تعزيز الشراكة مع النسيج الجمعوي، مع احتفاظ الدولة بمسؤوليات التنظيم والتوجيه وضبط الجودة، بما يضمن توسيع الاستفادة من هذه المرحلة التعليمية وتقليص الفوارق بين الأطفال قبل الالتحاق بالتعليم الابتدائي.

وعلى مستوى تحسين ظروف الدراسة، يقترح البرنامج تحديد عدد التلاميذ في الفصل الواحد في سقف لا يتجاوز 30 تلميذاً في التعليمين الابتدائي والإعدادي، إلى جانب توظيف 18 ألف أستاذ سنوياً، من بينهم 6 آلاف لتعويض الأطر المحالة على التقاعد.

ويرتبط هذا التوجه بتعهد آخر يقضي بتجهيز 30 ألف حجرة دراسية إضافية على مدى خمس سنوات، بالتوازي مع تطوير البنيات التحتية للمؤسسات التعليمية، وتعزيز خدمات النقل المدرسي والمطاعم والداخليات، خصوصاً في المناطق القروية والجبلية التي تواجه صعوبات في الولوج إلى التعليم واستكمال المسار الدراسي.

ويضع البرنامج تحسين الوضع المهني والاجتماعي لهيئة التدريس ضمن شروط نجاح الإصلاح، من خلال إقرار ميثاق اجتماعي يستهدف الارتقاء بالأجور وظروف العمل، وتوسيع فرص التكوين المستمر، مع التزام بمشاركة جميع الأساتذة، بنسبة 100 في المائة، في برامج تكوينية إلزامية تمتد أسبوعين على الأقل سنوياً.

ويتضمن التصور كذلك إرساء آليات للترقية والتحفيز ترتبط بالأداء والأثر المحقق على تعلم التلاميذ، فضلاً عن توفير إقامات ملائمة للمدرسين في الوسط القروي، وتخصيص 4.5 مليارات درهم للتعويضات والتحفيزات الترابية، يستفيد منها، وفق البرنامج، نحو 50 ألف أستاذ.

وفي ما يتعلق بالمناهج والبرامج التعليمية، يدعو الحزب إلى مراجعتها بصورة مستمرة، بتنسيق مع المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بهدف ملاءمتها مع الكفايات المطلوبة في القرن الحادي والعشرين، وتعزيز قيم المواطنة والمساواة.

كما يلتزم بالتعميم التدريجي لتدريس اللغة الأمازيغية في أفق 2031، عبر توظيف وتكوين ألفي أستاذ متخصص سنوياً.

ويمتد التصور الإصلاحي إلى محاربة الأمية وإعادة إدماج المنقطعين عن الدراسة، من خلال تعزيز إمكانات المؤسسات المعنية، وإحداث مراكز متعددة الوظائف، وتطوير مدارس الفرصة الثانية لفائدة الشباب واليافعين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و25 سنة، عبر مسارات تكوينية مهنية تستجيب لحاجاتهم وتساعدهم على استعادة فرص الاندماج في الحياة العملية.

كما يتضمن البرنامج التزاماً بتنظيم قطاع التعليم الخصوصي وضبط جودته وتسعيرته، مع ربط الرسوم المدرسية بمستوى الخدمات التعليمية والتجهيزات المتاحة، في مسعى إلى تعزيز الشفافية وتحسين شروط استفادة الأسر من هذا النوع من التعليم.

وبين التصريحات التي رافقت تسلم المسؤولية والالتزامات الواردة في البرنامج الانتخابي، يجد نبيل بنعبد الله نفسه أمام ملفات متشعبة تتجاوز تدبير القطاع إدارياً إلى اختبار قدرة الحكومة على تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة داخل الفصول الدراسية.

وتبقى مؤشرات من قبيل تقليص الهدر المدرسي إلى النصف، وتوظيف 18 ألف أستاذ سنوياً، وتجهيز 30 ألف حجرة إضافية، وتعبئة 117 مليار درهم، من أبرز المعايير التي يمكن أن يُقاس بها مدى التقدم في تنفيذ هذه الالتزامات خلال السنوات المقبلة، إلى جانب التحسن الفعلي في مستوى التعلمات وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.

آخر الأخبار