بعد 23 سنة من "وحدة المدينة".. أصوات من أغلبية الدار البيضاء تدعو إلى مراجعة التجربة

الكاتب : انس شريد

24 October 2026 - 07:30
الخط :

مع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية لمجلس جماعة الدار البيضاء، تتجه الأنظار إلى حصيلة التدبير الجماعي ومدى قدرة المنتخبين على استكمال المشاريع المبرمجة والاستجابة لانتظارات الساكنة، في ظل استمرار النقاش بشأن البنيات التحتية والطرق والماء والتطهير والتهيئة الحضرية والإنارة.

وفي هذا السياق، برزت خلال أشغال الدورة العادية لشهر أكتوبر نقاشات سياسية ومؤسساتية أعادت إلى الواجهة إشكالية مدة الولاية الانتدابية وحدود صلاحيات المجالس المنتخبة، فضلا عن تقييم تجربة نظام «وحدة المدينة» الذي تعتمد عليه العاصمة الاقتصادية منذ أكثر من عقدين.

وأثارت مداخلات عدد من المنتخبين، خاصة من صفوف المعارضة، تساؤلات بشأن أداء الأغلبية المسيرة لجماعة الدار البيضاء، التي تضم أحزاب الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بتقييم الحصيلة التدبيرية وتحديد المسؤوليات السياسية عن المشاريع المنجزة والمتعثرة.

ولم يقتصر النقاش على مستوى الخدمات والبرامج الحضرية، بل امتد إلى الإطار القانوني والتنظيمي الذي يؤطر عمل المجالس الجماعية، ومدى ملاءمته لمتطلبات التدبير المحلي والاستحقاقات الانتخابية.

وفي هذا الإطار، دعا عبد الصادق مرشد، رئيس مقاطعة المعاريف والمنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، إلى إعادة فتح النقاش بشأن تجربة "وحدة المدينة"، معتبرا أن مرور سنوات طويلة على اعتماد هذا النظام يفرض الوقوف عند نتائجه ومراجعة جوانب من طريقة تنزيله.

واستحضر المتحدث المسار التاريخي لتطور تدبير الشأن الجماعي بالمغرب، مشيرا إلى أن تجربة الميثاق الجماعي انطلقت سنة 1977 واستمرت إلى غاية 2003، قبل الانتقال إلى نظام جديد يقوم على وحدة المدينة، الذي بلغ عمره، وفق المعطيات التي قدمها، 23 سنة.

واعتبر مرشد أن هذه المدة تتيح فرصة مناسبة لتقييم التجربة، ليس فقط من زاوية الاختصاصات التي أُسندت إلى المجالس المنتخبة، وإنما أيضا من حيث قدرتها على إنجاز المشاريع الكبرى وتحقيق الأهداف المرتبطة بالتنمية الحضرية.

وطرح، في هذا الصدد، تساؤلات حول مدى استمرار ملاءمة النظام الحالي لمتطلبات المدن الكبرى، داعيا إلى التحلي بالجرأة اللازمة لمناقشة حصيلته واستشراف سبل تطويره، بعيدا عن الاكتفاء بتقييم محدود يرتبط بنهاية كل ولاية انتخابية.

وخصص رئيس مقاطعة المعاريف حيزا مهما من مداخلته لمسألة مدة الولاية الانتدابية، مشيرا إلى أن تحديدها في ست سنوات يطرح، بحسب تصوره، إشكالا عندما يصبح التدبير العملي للمجالس خاضعا لاعتبارات مرتبطة بقرب الانتخابات.

وحذر من أن يؤدي تقليص المدة الفعلية للعمل إلى خمس سنوات، نتيجة القيود المرتبطة بالفترة السابقة للاستحقاقات، إلى إرباك تنفيذ البرامج التي التزمت بها الأحزاب أمام الناخبين، خصوصا أن هذه البرامج تُعد على أساس ولاية تمتد لست سنوات.

وربط المتحدث هذا النقاش بمسألة الوفاء بالالتزامات الانتخابية، موضحا أن البرامج التي تقدمها الأحزاب خلال الحملات الانتخابية لا يمكن فصلها عن المدة التي حُددت لتنفيذها.

ووفق هذا المنظور، حسب المتحدث ذاته، فإن إخضاع التدبير الجماعي لقيود تحد من تحرك المنتخبين خلال السنة الأخيرة من الولاية قد ينعكس على وتيرة إنجاز المشاريع وعلى قدرة المجالس على استكمال الأوراش التي أطلقتها، كما قد يطرح إشكالا عند الانتقال إلى مرحلة تقديم الحصيلة أمام المواطنين.

وشدد مرشد على أن تقييم أداء المنتخبين ينبغي أن يستحضر المدة القانونية للانتداب والظروف التي أحاطت بتنفيذ البرامج، متسائلا عن الحصيلة التي سيكون على المجالس تقديمها في نهاية الولاية: هل تتعلق بخمس سنوات من التدبير الفعلي أم بست سنوات كما ينص على ذلك الإطار الانتدابي.

وفي سياق متصل، أثار المسؤول الجماعي مسألة تكافؤ الفرص بين المتنافسين في الاستحقاقات الانتخابية، معتبرا أن فرض قيود على المنتخبين الجماعيين بدعوى احتمال استغلال إمكانيات الجماعة لأغراض انتخابية يستدعي، في المقابل، نقاشا أوسع بشأن مدى خضوع مختلف المسؤولين العموميين للقواعد نفسها.

وأشار إلى أن المنتخب الجماعي قد يجد نفسه أمام قيود تحد من تحركاته خلال الفترة السابقة للانتخابات، في حين يمكن لمتنافسين يشغلون مسؤوليات حكومية أن يستفيدوا، بحسب طرحه، من إمكانيات مرتبطة بمواقعهم المؤسساتية، وهو ما يثير تساؤلات حول شروط المنافسة العادلة.

واعتبر مرشد أن ضمان نزاهة الاستحقاقات يقتضي وضوح القواعد المنظمة لاستعمال الإمكانيات العمومية، وتطبيقها بما يمنع توظيف الموارد المؤسساتية لتحقيق مكاسب انتخابية، من دون أن يتحول ذلك إلى عامل يعطل تنفيذ البرامج أو يحد من قدرة المجالس على الوفاء بالتزاماتها.

كما استحضر المتحدث أهمية احترام الدستور والقوانين التنظيمية باعتبارهما أساسا لتنظيم العمل المؤسساتي وترسيخ الممارسة الديمقراطية، مؤكدا أن النقاش بشأن مدة الولاية أو نظام وحدة المدينة ينبغي أن ينطلق من مراجعة القواعد المؤطرة للتدبير الجماعي ومدى قدرتها على تحقيق الانسجام بين الاختصاصات والبرامج والآجال الزمنية المحددة لتنفيذها.

ويأتي هذا النقاش في مرحلة تكتسي فيها حصيلة مجلس جماعة الدار البيضاء أهمية سياسية متزايدة، بالنظر إلى حجم الانتظارات المرتبطة بتحسين الخدمات الأساسية وتطوير البنيات التحتية وتسريع إنجاز المشاريع الحضرية.

آخر الأخبار