مالية 2027.. هذه وصفة الحكومة لمعالجة اختلالات التعليم العالي بالمغرب

الكاتب : الجريدة24

24 October 2026 - 09:00
الخط :

يتجه مشروع قانون المالية لسنة 2027 إلى إحداث تحول تدريجي في منظومة التعليم العالي بالمغرب، من خلال إحداث 49 مؤسسة جامعية، وتوسيع الطاقة الاستيعابية للتكوينات الطبية بأكثر من 6.000 مقعد، وتعزيز الإيواء الجامعي، إلى جانب دعم البحث العلمي والابتكار وتطوير آليات إدماج الخريجين في سوق الشغل، وذلك في إطار تنزيل هندسة جديدة للتعليم العالي تستند إلى مقتضيات القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي.

وتأتي هذه التوجهات في سياق استمرار عدد من التحديات البنيوية التي تواجه الجامعات المغربية، رغم الإصلاحات والاستثمارات التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها تزايد أعداد الطلبة، والضغط على البنيات التحتية والطاقة الاستيعابية، وعدم ملاءمة بعض التكوينات مع متطلبات الاقتصاد الوطني.

وتضع التوجهات المعلنة لسنة 2027 تطوير العرض التكويني الجامعي في صلب الإصلاح المرتقب، من خلال إعادة تنظيم المؤسسات والمسالك، وتوسيع التخصصات، وتقريب التكوين من الحاجيات الجهوية، مع إعطاء أهمية أكبر للمهن المستقبلية والقطاعات الواعدة.

وفي هذا الإطار، يرتقب إحداث 49 مؤسسة جامعية، تشمل 31 مؤسسة ناتجة عن تقسيم بعض الكليات متعددة التخصصات، بهدف إرساء مؤسسات أكثر تخصصا وتقريب الخدمات الجامعية من المجالات الترابية، بما يعزز مساهمة الجامعات في التنمية الجهوية.

وستهم هذه العملية عددا من الأقاليم والمدن، من بينها الحسيمة والناظور وآسفي وفاس وتطوان وطنجة ومراكش وقلعة السراغنة، في توجه يروم تجاوز بعض مظاهر التمركز في العرض الجامعي، وتوفير تكوينات أكثر ارتباطا بالخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل منطقة.

كما يستهدف هذا التوجه إرساء توزيع أكثر توازنا للمؤسسات والتخصصات، بما يوسع فرص الاستفادة من التعليم العالي ويعزز قدرة الجامعات على الاستجابة للحاجيات المحلية من الكفاءات.

ويتضمن البرنامج أيضا إحداث 15 مؤسسة جامعية جديدة متخصصة في مهن المستقبل والقطاعات ذات الإمكانات التنموية الواعدة، من بينها المعهد الوطني للرقمنة والذكاء الاصطناعي بسطات، والمدرسة العليا لإدارة الأعمال بالرباط، ومعهد المهن الرياضية بأكادير، وكلية علوم المجتمع ببركان، فضلا عن المدرستين الوطنيتين للتكنولوجيات المتقدمة بالعيون والداخلة.

وفي موازاة ذلك، يحظى التكوين في المهن الطبية باهتمام خاص، من خلال إحداث كليتي الطب والصيدلة وطب الأسنان بسطات والقنيطرة، وكلية طب الأسنان بأكادير، إلى جانب إحداث مسلك لطب الأسنان بوجدة، حسب المذكرة التقديمية لمالية 2027.

ومن المنتظر أن تتيح هذه التدابير رفع الطاقة الاستيعابية بأكثر من 6.000 مقعد، بما يدعم توسيع التكوين الطبي على المستوى الترابي ويساهم في تعزيز الموارد البشرية الصحية، انسجاما مع الهدف الوطني الرامي إلى بلوغ 45 مهنيا في قطاع الصحة لكل 10.000 نسمة في أفق سنة 2030.

ولا يقتصر الإصلاح المرتقب على إحداث المؤسسات وتوسيع التخصصات، بل يشمل أيضا إعادة النظر في هيكلة منظومة التعليم العالي، التي لا تزال تتسم بتعدد المؤسسات والمسالك وتداخل بعض البرامج والتخصصات.

ويروم هذا التوجه إرساء منظومة أكثر تكاملا ووضوحا، تقوم على تحديد مهام المؤسسات، وترشيد العرض التكويني، وتعزيز التكوينات ذات القيمة المضافة المرتفعة، مع توفير جسور للانتقال بين المسارات الجامعية والتقنية والمهنية والتطبيقية.

ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة في ظل استقطاب التعليم العالي الجامعي لنحو 66 في المائة من المسجلين الجدد بعد الحصول على شهادة البكالوريا، وفق المعطيات الواردة في المذكرة التقديمية.

وفي جانب آخر، يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 تحسين ظروف استقبال الطلبة وإقامتهم ضمن أولويات تطوير التعليم العالي، في ظل فجوة كبيرة بين العرض المتوفر والحاجيات الوطنية في مجال السكن الجامعي. وتقدر الحاجيات غير الملباة بنحو 400.000 سرير، مقابل عرض إجمالي يبلغ حوالي 130.000 سرير، من بينها نحو 60.000 سرير بالقطاع العمومي، وهي أرقام تعكس حجم التحدي المطروح أمام توسيع الطاقة الاستيعابية للإقامات الجامعية ومواكبة تزايد أعداد الطلبة.

ولمواجهة هذا الخصاص، تتجه المقاربة المعتمدة إلى تنويع مصادر التمويل وتعبئة الاستثمار الخاص، مع توسيع اللجوء إلى الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بهدف إنجاز إقامات جامعية جديدة والرفع من قدرتها الاستيعابية، مع التحكم في المجهود المالي للدولة.

وفي هذا السياق، يرتقب خلال سنة 2027 مواصلة تنفيذ المشاريع التي جرى انتقاؤها في إطار طلب إبداء الاهتمام المتعلق بتصميم الإقامات الجامعية وإنجازها وتجهيزها واستغلالها وصيانتها، بما سيمكن من تعبئة طاقة إضافية تناهز 11.000 سرير.

وتشمل المشاريع المبرمجة استكمال أشغال بناء الحي الجامعي بفاس بطاقة استيعابية تبلغ 1.200 سرير، والحي الجامعي بالمحمدية بطاقة 1.354 سريرا، وحي أكادير تيليلا بطاقة 1.440 سريرا، والحي الجامعي بالحسيمة بطاقة 1.432 سريرا.

ومن المرتقب أن تتواصل هذه الدينامية خلال سنة 2028 باستكمال أشغال الأحياء الجامعية ببني ملال وآسفي وتارودانت، بطاقة استيعابية تبلغ 1.500 سرير لكل واحد منها، إلى جانب إطلاق طلب إبداء اهتمام جديد لإنجاز إقامات جامعية في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

ويعكس هذا التوجه سعيا إلى معالجة أحد العوامل التي تؤثر في ظروف متابعة الدراسة الجامعية، خاصة بالنسبة إلى الطلبة القادمين من مناطق بعيدة عن المدن الجامعية. غير أن تقليص الخصاص المسجل يظل رهينا بوتيرة إنجاز المشاريع، وقدرتها على دخول الخدمة وفق الآجال المحددة، فضلا عن توفير شروط الاستغلال والصيانة التي تضمن استمرارية هذه المرافق وجودة الخدمات المقدمة للطلبة.

وبموازاة إصلاح العرض الجامعي وتحسين ظروف الاستقبال، يراهن مشروع قانون المالية لسنة 2027 على تعزيز البحث العلمي والابتكار باعتبارهما ركيزتين لتطوير الجامعة ودعم التنمية الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، ستتواصل برامج تكوين طلبة الدكتوراه المؤطرين من الجيل الجديد، الذين يضطلعون بمهام التأطير البيداغوجي في الدروس التوجيهية والتطبيقية، بما يتيح الجمع بين تطوير البحث العلمي والمساهمة في تعزيز التأطير داخل المؤسسات الجامعية.

ويخصص لهذا البرنامج غلاف مالي سنوي قدره 252 مليون درهم لفائدة 3.000 طالب دكتوراه مؤطر، في خطوة تستهدف تشجيع الباحثين الشباب على الانخراط في البحث العلمي، وتحسين التأطير البيداغوجي، وتوجيه الجهود نحو المجالات التي تحظى بالأولوية الوطنية.

ويشكل هذا البرنامج إحدى الآليات الرامية إلى تقوية القدرات البحثية داخل الجامعات، مع الاستفادة من الكفاءات العلمية لطلبة الدكتوراه في دعم الأنشطة التعليمية والتطبيقية.

كما يرتقب تفعيل مقتضيات القانون رقم 57.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون المتعلق بالمركز الوطني للبحث العلمي، مع إحداث وحدات جهوية للدعم التقني للبحث العلمي بجهات الشرق، وفاس مكناس، وطنجة تطوان الحسيمة، وسوس ماسة، ومراكش آسفي.

وتهدف هذه الوحدات إلى تقريب التجهيزات والخدمات التقنية من الباحثين ومختلف مكونات المنظومة العلمية، ولا سيما الجامعات، بما يعزز إمكانات إجراء الأبحاث ويوسع الاستفادة من الموارد والتجهيزات المتاحة على المستوى الجهوي.

وفي السياق ذاته، ستتواصل خلال الفترة الممتدة بين 2025 و2028 عملية تنزيل البرنامج الوطني لدعم البحث التنموي والابتكار، المعروف اختصارا بـPNARDI، والذي يستهدف تعزيز مساهمة البحث العلمي والابتكار في تحقيق التنمية المستدامة بالمغرب.

ويأتي هذا البرنامج في إطار شراكة تجمع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، ومؤسسة المكتب الشريف للفوسفاط، والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، بما يعكس توجها نحو تعزيز التعاون بين المؤسسات العمومية والفاعلين الاقتصاديين والجامعات في مجال البحث والتطوير.

ومن التدابير المرتقبة أيضا إحداث مدينة للابتكار على مستوى كل قطب جامعي، تتولى تدبيرها شركة مساهمة يؤسسها القطب المعني. ويروم هذا التوجه تعزيز تثمين نتائج البحث العلمي ونقل التكنولوجيا، وتقوية الروابط بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي، بما يتيح تحويل المعرفة والنتائج العلمية إلى مشاريع وحلول قابلة للتطوير والاستثمار، ويمنح البحث الجامعي دورا أكبر في دعم الابتكار وتحفيز النشاط الاقتصادي.

وعلى مستوى قابلية إدماج الخريجين في سوق الشغل، تتجه التدابير المبرمجة إلى مواصلة تنفيذ برامج تكوين تستهدف قطاعات الصحة والرقمنة والتعليم، بالنظر إلى حاجياتها من الموارد البشرية المؤهلة.

وتبرز المعطيات الواردة في المذكرة التقديمية تسجيل 71.661 طالبا ضمن برنامج الرفع من عدد مهنيي قطاع الصحة في أفق سنة 2030، بنسبة إنجاز بلغت 97 في المائة، مقابل 70.709 طلاب في برنامج تعزيز الكفاءات الرقمية في أفق سنة 2027، بنسبة إنجاز وصلت إلى 96 في المائة.

كما بلغ عدد المسجلين في برنامج تكوين أساتذة سلكي التعليم الابتدائي والثانوي في أفق سنة 2027 ما مجموعه 68.143 طالبا، بنسبة إنجاز قدرها 88 في المائة.

وتعكس هذه المؤشرات مستوى التقدم المسجل في البرامج الثلاثة، التي تستهدف تعزيز التكوين في المهن الصحية والرقمية والتربوية، وتوسيع قاعدة الكفاءات المتخصصة القادرة على الاستجابة لحاجيات المرافق العمومية والقطاعات الاقتصادية.

ويرتبط تطوير هذه البرامج كذلك بتحسين جاذبية وجودة التكوينات المقدمة داخل المدارس العليا للأساتذة، والمدارس العليا للتربية والتكوين، وكلية علوم التربية، إلى جانب دعم التكوين الرقمي بالجامعات العمومية وملاءمة مخرجاته مع حاجيات المستثمرين وسوق الشغل.

وفي امتداد لهذه التدابير، يرتقب في مالية 2027، تفعيل مراكز المسارات المهنية وقابلية التشغيل على مستوى 8 جامعات، لتوفير مواكبة منظمة للطلبة والخريجين خلال انتقالهم من الدراسة إلى الحياة المهنية.

وستعمل هذه المراكز على تقديم خدمات التوجيه والتكوين والاستشارة، ومساعدة المستفيدين على تحديد المسارات المهنية المناسبة، فضلا عن تشجيع روح المبادرة ودعم حاملي المشاريع، بما يعزز فرص الاندماج المهني ويتيح للطلبة الاستعداد المبكر لمتطلبات سوق العمل.

وبذلك، تراهن توجهات مشروع قانون المالية لسنة 2027 على جعل الجامعة أكثر قدرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب، سواء من خلال توفير تخصصات تستجيب لمهن المستقبل، أو تعزيز الموارد البشرية في القطاعات ذات الأولوية، أو تحسين ظروف الدراسة والإقامة، أو تقوية الصلة بين البحث العلمي والنسيج الاقتصادي.

آخر الأخبار