الوردي لـ"الجريدة 24": المينورسو استنفدت مبررات وجودها والجزائر فقدت جميع أوراقها
دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة جديدة داخل أروقة مجلس الأمن الدولي، عقب تعثر اعتماد مشروعي قرار متنافسين بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء "المينورسو".
ويأتي هذا التطور في سياق دولي يتسم بتزايد الاهتمام بالمقترح المغربي للحكم الذاتي، باعتباره أساسا لتسوية سياسية للنزاع، خصوصا بعد اعتماد القرار الأممي رقم 2797 لسنة 2025، الذي عزز التوجه نحو مقاربة واقعية وبراغماتية تستحضر المبادرة المغربية المقدمة سنة 2007، وتدفع باتجاه البحث عن حل سياسي قابل للتطبيق، في إطار السيادة المغربية.
وفي قراءة لهذه المستجدات، اعتبر الدكتور العباس الوردي، الخبير السياسي وأستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، في حديثه لـ"الجريدة 24"، أن القرار الأممي رقم 2797 يشكل مرجعية أساسية لفهم التحول الذي يعرفه ملف الصحراء المغربية، مبرزاً أن مضمونه يكرس توجها براغماتيا يقوم على جعل مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 أساساً للمسار السياسي.
وأوضح أن هذا التطور يأتي نتيجة تراكمات تاريخية ودبلوماسية، إلى جانب التحركات التي قادتها المملكة تحت قيادة الملك محمد السادس، والتي ساهمت، بحسب تقديره، في تعزيز حضور المقترح المغربي داخل المنتظم الدولي، والدفع نحو تجاوز المقاربات التقليدية التي ظلت تؤطر النزاع لأكثر من خمسة عقود.
وربط الوردي بين هذه التحولات ومضامين بلاغ الديوان الملكي، معتبراً أن الرسائل التي تضمنها البلاغ واضحة بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وأن القرار 2797 يظل مرجعا أساسيا لا يمكن تجاوزه في تدبير الملف.
وأكد أن المغرب يتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من تدبير النزاع إلى العمل على تنزيل مشروع الحكم الذاتي، مشيراً إلى أن المستجدات الأخيرة تفرض إعادة تقييم الأدوار التي اضطلعت بها بعثة المينورسو منذ تأسيسها قبل 35 سنة.
وفي هذا السياق، اعتبر أن البعثة لم تعد، وفق قراءته، تتوفر على المبررات السياسية نفسها التي قامت عليها، في ظل التحولات التي عرفها المسار الأممي، مشدداً على أن المرحلة المقبلة تستدعي حسم مستقبل وجودها والانتقال إلى آليات تتلاءم مع طبيعة الحل السياسي المطروح.
وبخصوص تعثر اعتماد مشروع القرار الأمريكي داخل مجلس الأمن، توقف الخبير السياسي عند حصول المشروع على تأييد 11 عضواً، مقابل امتناع 3 أعضاء عن التصويت، قبل أن يؤدي استخدام روسيا حق النقض إلى الحيلولة دون اعتماده.
واعتبر أن الموقف الروسي يعكس استمرار الخلافات بين القوى الكبرى بشأن الصيغة التي ينبغي أن يؤطر بها المسار الأممي، مشيراً إلى أن موسكو اختارت الاعتراض على المشروع المطروح، في وقت لم يحقق فيه البديل الذي دعمته التأييد اللازم.
وأضاف أن استخدام الفيتو يعكس خروج النقاش من دائرة التوافق السهل إلى مرحلة تتداخل فيها الحسابات الدولية، دون أن يلغي، بحسب تقديره، أهمية الأصوات المؤيدة للمقترح الأمريكي وما تحمله من دلالات بشأن موقع مبادرة الحكم الذاتي في النقاش داخل مجلس الأمن.
كما أوضح المتحدث ذاته، أن المغرب يتعامل مع هذه التطورات من منطلق التشبث بوحدته الترابية والالتزام بالقانون الدولي، مؤكداً أن المملكة راكمت تجربة دبلوماسية تقوم على الدفاع عن مصالحها الوطنية والتفاعل مع مختلف الأطراف المعنية بالملف.
واعتبر أن المرحلة الحالية تضع حداً، في نظره، لبعض محاولات إبقاء القضية داخل منطقة رمادية، مشيراً إلى أن الرباط لن تقبل بتحويل المؤسسات الأممية إلى فضاء لإعادة إنتاج الخلافات أو إطالة أمد النزاع، وأن أولويتها تتمثل في تثبيت المكتسبات التي تحققت ومواصلة الترافع عن مغربية الصحراء في مختلف المحافل الدولية.
وفي ما يتعلق بالخطوات المرتبطة بتنزيل الحكم الذاتي، لم يستبعد الوردي أن تفرض المرحلة المقبلة نقاشاً دستورياً ومؤسساتياً جديداً، بالنظر إلى طبيعة المشروع وما يتطلبه من ترتيبات قانونية وإدارية وسياسية.
وأوضح أن الأمر لا يتعلق فقط بتصور سياسي لإنهاء النزاع، بل بمسار يستدعي إعداد الآليات الكفيلة بتفعيله على أرض الواقع، مع مواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية ومواجهة مختلف التحديات المرتبطة بالأمن والاستقرار في الأقاليم الجنوبية.
كما شدد على أهمية التعبئة الوطنية ومواصلة العمل الدبلوماسي، معتبراً أن المغرب يتوفر على إمكانيات التحرك داخل اللجان والمؤسسات الأممية المعنية لمواكبة القضايا المرتبطة بوحدته الترابية.
وفي حديثه عن الدور الجزائري في النزاع، ذهب الوردي إلى استعمال توصيفات مباشرة، معتبرا أن الجزائر حاولت ممارسة ضغوط على المسار السياسي، لكنها لم تحقق الأهداف التي سعت إليها.
وقال في هذا الصدد إن "سياسة التواري وراء الستار للجزائر قد انقشعت الآن، وهي تخسر أمام العالم آخر أوراقها من خلال محاولة الضغط من هذه الجهة أو تلك".
وأضاف أن ما وصفه بمواقف الجزائر أصبح، بحسب تقديره، أكثر وضوحاً أمام المنتظم الدولي، مشيراً إلى أن المملكة لن تقبل بالمزايدة أو المناورة في ما يتعلق بوحدتها الترابية.
ولم يتوقف المتحدث عند هذا الحد، بل ربط استمرار التوترات الإقليمية بما اعتبره توجها جزائريا نحو عرقلة الاستقرار، مستحضرا أوضاع دول الجوار، خصوصاً مالي والنيجر، ومعتبراً أن السياسات الجزائرية تثير إشكالات تتجاوز حدود الخلاف مع المغرب.
كما وجه انتقادات مباشرة إلى المؤسسة العسكرية الجزائرية، قائلاً إن "الأجندة الخاصة بالبنية العسكرية الجزائرية" تظل، في نظره، وراء مواقف تستهدف التأثير في مسار العلاقات الإقليمية، قبل أن يستحضر ملف الحدود المغربية الجزائرية، معتبراً أن الحدود التي رسمها الاستعمار الفرنسي لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل لإعادة فتح نقاشات تخدم التوتر بين البلدين.
وشدد الوردي على أن المغرب لن يتراجع عن الدفاع عن حقوقه ووحدته الترابية، وأن احترام سيادة الدول وحسن الجوار ينبغي أن يشكلا أساساً لأي علاقات إقليمية مستقرة.
كما جدد الوردي تذكيره أن بلاغ الديوان الملكي والقرار 2797 يقدمان الإطار المرجعي لفهم التوجه المغربي خلال المرحلة المقبلة، القائمة على تثبيت المكتسبات الدبلوماسية والعمل على تنزيل الحكم الذاتي، مشيرا أن المغرب مطالب بمواصلة التعبئة الوطنية والتحرك الدولي لصون وحدته الترابية.