انتخابات 2027 تسرع تحركات الأحزاب لإعادة ترتيب أوراقها ورسم ملامح التحالفات المقبلة
بدأت الأحزاب السياسية المغربية تكثف تحركاتها التنظيمية والسياسية، قبل أشهر من موعد الانتخابات الجماعية والجهوية المرتقبة سنة 2027، في خطوة تعكس دخول المشهد الحزبي مرحلة مبكرة من الاستعداد للاستحقاقات المقبلة، من خلال تقييم نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، وإعادة ترتيب الهياكل التنظيمية واستشراف موازين القوى والتحالفات المحتملة على المستوى المحلي والجهوي.
وتتجه عدد من التنظيمات الحزبية إلى عقد اجتماعات ولقاءات داخلية لتشخيص حصيلة مشاركتها في الاستحقاقات التشريعية الأخيرة، والوقوف على مكامن القوة والاختلالات التي طبعت أداءها الانتخابي والتنظيمي، في أفق استخلاص الدروس الضرورية ووضع تصورات جديدة لتقوية حضورها الميداني، خصوصا أن الانتخابات المقبلة ستشكل اختبارا جديدا لقدرة الأحزاب على استعادة مواقعها وتعزيز نفوذها داخل الجماعات الترابية ومجالس الجهات.
وفي هذا السياق، باشر حزب التقدم والاشتراكية تنزيل برنامج تنظيمي يستهدف مختلف فروعه الإقليمية والدوائر الانتخابية التشريعية، من خلال زيارات ميدانية تروم تثمين مجهودات مناضليه وإعادة تنشيط هياكله استعدادا للمواعيد التنظيمية والانتخابية المقبلة. وشكل إقليم خريبكة إحدى محطات هذه الدينامية، بعدما احتضنت المدينة، الجمعة الماضية، لقاء تنظيميا وتقييميا جمع ممثلين عن الفروع المحلية بخريبكة وبوجنيبة وأبي الجعد ووادي زم، إلى جانب فعاليات من الشبيبة الاشتراكية ومنتدى المناصفة والمساواة وعدد من القطاعات السوسيو مهنية للحزب، تحت إشراف جمال كريمي بنشقرون، عضو المكتب السياسي، وعلال البصراوي، الكاتب الإقليمي للحزب.
وخصص الاجتماع لتقييم التجربة التنظيمية والحصيلة الانتخابية للحزب خلال تشريعيات 23 شتنبر 2026، حيث جرى استعراض مختلف جوانب المشاركة في هذا الاستحقاق، وتحديد أبرز المكاسب ونقط القوة، إلى جانب مناقشة مكامن الضعف والتحديات التي واجهت التنظيم بالإقليم.
وانتهى اللقاء إلى الاتفاق على مواصلة إعادة هيكلة الفروع وتعزيز التعبئة الداخلية، بما يضمن تقوية الحضور السياسي والميداني للحزب، واستثمار موقعه ضمن التجربة الحكومية الجديدة في توسيع إشعاعه محليا.
وبموازاة هذه التحركات التنظيمية، بدأت ملامح التنافس الانتخابي المقبل تبرز بشكل متزايد في عدد من المدن، حيث تتداخل الحسابات المحلية مع التحولات التي أفرزتها نتائج الانتخابات التشريعية والتغييرات التي طالت تركيبة الأغلبية الحكومية.
ويطرح خروج حزب التجمع الوطني للأحرار من الأغلبية الجديدة تساؤلات بشأن انعكاسات هذا التحول على التحالفات القائمة داخل المجالس المنتخبة، ومدى قدرة بعض التشكيلات السياسية على الحفاظ على تفاهماتها السابقة خلال المرحلة المقبلة.
وتبرز الدار البيضاء، بالنظر إلى ثقلها الانتخابي وتعدد مكوناتها الحزبية، باعتبارها إحدى أبرز واجهات التنافس المرتقب، في ظل تقاطع رهانات الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية بشأن تركيبة المجلس الجماعي المقبل.
كما أعادت الخلافات التي شهدتها دورة أكتوبر للمجلس الجماعي، وما صاحبها من تبادل للاتهامات بين ممثلي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، طرح علامات استفهام حول مستقبل التنسيق بين الطرفين محليا، ومدى استمرار التحالف الذي جمعهما خلال المرحلة السابقة.
وفي مقابل هذه المؤشرات، حرصت بعض التنظيمات الحزبية على توضيح مواقفها من التحركات الجارية، تفاديا لأي تأويلات بشأن وجود تفاهمات انتخابية مبكرة.
وفي هذا الإطار، أكد مروان عمامة، عضو المكتب السياسي والكاتب الإقليمي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعمالة مقاطعة الحي الحسني، أن الكتابة الإقليمية لم تدخل في أي تنسيق أو تحالف مع تنظيم سياسي آخر، سواء على المستوى المؤسساتي أو عبر مبادرات فردية، استعدادا للاستحقاقات المقبلة، مشددا على تمسك الحزب بمناضليه ومناضلاته الذين اشتغلوا إلى جانبه خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، وذلك في توضيح نشره عبر حسابه على موقع فيسبوك.
ومن جهته، دعا المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد إلى الحفاظ على تحالف اليسار والعمل على تطوير آليات اشتغاله، استعدادا للانتخابات الجماعية المرتقبة سنة 2027، معتبرا أن المرحلة تقتضي البناء على المكتسبات والتراكمات التي حققتها التجربة المشتركة مع فيدرالية اليسار الديمقراطي، وتعزيز التنسيق السياسي والتنظيمي بين مكونات هذا التيار.
وتعكس هذه الدعوة توجها نحو تقوية العمل الوحدوي لليسار وتحويل التفاهمات القائمة إلى أرضية أكثر فاعلية في مواجهة رهانات الاستحقاقات المقبلة.
وتكشف هذه التحركات المتزامنة أن الاستعداد لانتخابات 2027 لم يعد مقتصرا على الترتيبات التنظيمية الداخلية، بل امتد إلى إعادة تقييم التحالفات وتحديد مواقع الأحزاب داخل الخريطة السياسية الجديدة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الدار البيضاء وغيرها من المدن الكبرى باعتبارها ساحات حاسمة لاختبار التوازنات المقبلة، وسط ترقب لما ستسفر عنه الأشهر القادمة من تفاهمات وإعادة اصطفاف بين مختلف الفرقاء السياسيين.