قبل الكركرات..أمجاد المغرب العسكرية في جبال الوركزيز

الكاتب : الجريدة24

21 نوفمبر 2020 - 11:00
الخط :

التاريخ العسكري المغربي فيما يخص حروب الصحراء، حافل بالأمجاد، فعملية الكركرات الأخيرة التي مني فيها الطرف الجزائري، المحرك الحقيقي للبوليساريو في الميدان، بهزيمة نكراء، ما هي إلا حلقة من حلقات المناوشات التي تعتمدها الجزائر ضد المغرب.

ففي نهاية السبعينات من القرن الماضي حاولت الجزائر عبر الجبهة السيطرة على جبال الوركزيز- سلسلة جبال تمتد من الزاك إلى عمق التراب الجزائري المطل على تندوف- وقد أوكلت مهمة إجلاء عناصر البوليساريو التي كانت متمركزة بأعداد غفيرة ومعدات حربية متطورة بجبال الوركزيز- إلى مجموعة الزلاقة تحت رئاسة الكولونيل بنعثمان.

عناصر المجموعة يناهز سبعة آلاف عنصر يمثلون مختلف وحدات الجيش: مشاة، مدرعات، هندسة...وبدأ تحرك هذه المجموعة في يناير من سنة 1979.

وبعد أربع سنوات (1975 – 1978) من المناوشات العسكرية حيث واجه الجيش المغربي خلالها الجيش الوطني الشعبي الجزائري مباشرة في مناسبتين - معركتا امغالا الاولى و الثانية - و صنيعته جبهة البوليساريو في محطات عديدة قررت القيادة المشتركة للأخيرين نهج استراتجية عسكرية جديدة تحمل بصمة الجناح المتشدد و المعادي للمغرب داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية.

سميت إحدى مقومات هذه الاستراتجية الجديدة ,التي اعلن عن ميلادها مباشرة بعد وفاة الرئيس هواري  بومدين، باسم هذا الأخير حيث اطلق عليها نعت " هجوم هواري بومدين"  تمحور هذا "الهجوم" حول مجموعة من العناصر أهمها : إنشاء ثم تعزيز قاعدة عسكرية متقدمة للبوليساريو بجبال الوركزيز، تطوير العتاد العسكري للجبهة و مدها بجيل جديد من بطاريات صواريخ سام (Sam 7 et 8  و من أسلحة مختلفة العيارات مضادة للطائرات و كذا اعدادا هائلة من راجمات ستالينorgues de Staline) ( من عيار 122 م م المعروفة عسكريا بالـ BM 21 و من مدرعات من نوع ( T54, T55, T74) ، التكتيف العددي للوحدات المقاتلة ، محاصرة منطقة  الزاك في أفق قطع وصول الإمدادات إليها ، القيام بهجمات  تستهدف مدنا و قرى تتواجد بمناطق غير متنازع عنها قصد تدويل النزاع و تعزيز صيت البوليساريو إعلاميا.

استطاعت فيالق الجبهة تحقيق جملة من الاهداف التي سطرتها لها القيادة العسكرية المشتركة بتندوف اذ تمكنت من تعزيز القاعدة الأمامية التي انشأتها  بجبال الوركزيز الممتدة حتى الجزائر.

طبعا لم يكن للمغرب ان يقبل بهذا الوضع الخطير وان يترك المبادرة للعدو حيث وضعت القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية جملة من الترتيبات تهدف الى التصدي الفعال و الحد من هجمات الجبهة وكذا الى تنقية جبال الوركزيز من العناصر المتواجدة بداخلها.

لهذا الغرض انشأت بداية مجموعة الزلاقة حيث سهر على انشائها الكولونيل ماجور احمد الدليمي وأوكلت مهمة قيادتها الى الكولونيل بن عثمان احد الضباط الذين قادوا معركة امكالة الاولى (فبراير 1976) ضد وحدات الجيش الشعبي الجزائري.

انطلقت هذه المجموعة من مدينة كولميم صوب منطقة الوركزيز في النصف الثاني من سنة 1979 حيث ستفاجأ بما لم تكن تتوقعه القيادة العسكرية للمنطقة الجنوبية التي كان يشرف عليها الكولونيل عبروق تحت إمرة الرجل القوي اذاك في الجيش المغربي الكولونيل ماجور احمد الدليمي.

إذ لم تكن تتوقع أن يكون العدو يتوفر على ذاك الكم الهائل من المعدات العسكرية وأن يتمكن من حشد تلك الاعداد الهائلة من المقاتلين داخل جبال الوركزيز. مما أدى الى إخفاق مجموعة الزلاقة في مهمتها و ابقاء الوضع على ما كان عليه في السابق.

لتدارك الموقف و لإجلاء عناصر البوليساريو من منطقة الوركزيز قصد توفير الحماية اللازمة للمناطق المتواجدة جنوب واد درعة انشأ الدليمي في بداية النصف الثاني من سنة 1979 مجموعة ثانية سميت بمجموعة أحد قوامها من حيث الجنود و العتاد يفوق بكثير ما كانت تتوفر عليه مجموعة الزلاقة.

وضعت هذه المجموعة ، التي كانت تضم خيرة الجنود و الضباط و التي كانت مدججة بأسلحة جد متطورة و حديثة الاقتناء،  تحت القيادة المباشرة للكولونيل الدليمي و سطر لها هدفان رئيسيان. الهدف الأول : القيام بعملية تمشيط شاملة لكل ربوع اقليم واد الذهب المسترجع اذاك حديثا (غشت 1979) قصد تنقيتها و كذا تهيئ الظروف الملائمة للزيارة الملكية التي كان يعتزم الملك الراحل الحسن الثاني القيام  بها لمدينة الداخلة حيث كان ينوي اقامة حفل الولاء بها في مطلع شهر مارس لسنة 1980. و الهدف الثاني : تمشيط و تنقية جبال الوركزيز  من جميع قواعد و جيوب البوليساريو .

انطلقت المجموعة ألضخمة , التي كانت تضم اثنى عشرة  الف عنصرا , صوب واد الذهب في نهاية شهر شتنبر 1979 و أطلت على مشارف مدينة الداخلة في النصف الثاني من شهر اكتوبر حيث  ستستقر قيادة المجموعة بها .

بعد اعلان موريتانيا الرسمي ، التي كان يرأسها اذاك الكولونيل خونا ولد هيدلة المعروف بانحيازه الى أطروحات الجبهة ألانفصالية ، انسحابها من نزاع الصحراء (5 غشت 1979) و بالتالي تخليها عن التيريس الغربية (واد الذهب) كانت قوات البوليساريو على أهبة و استعداد ، منذ مدة  ،لاحتلال الاقليم المتخلى عنه من طرف موريتانيا.

و هناك رزمة من المؤشرات التي توحي بذالك. بل أكثر من هذا  هناك ما يفيد بتواطؤ الأطراف الثلاث (الجزائر البوليساريو و نظام ولد هيدلة) في افق تمكين البوليساريو من احتلال منطقة التيريس الغربية.

أدركت الجزائر وصنيعتها البوليساريو ، سنتين بعد اندلاع المواجهات العسكرية و بعد أن استطاع المغرب تأمين مجمل تراب إقليم الساقية الحمراء ، أنه سيكون من الصعب جدا عليهما الحسم في الصراع لصالحهما أقرتا التركيز على الحلقة الضعيفة في المعادلة الصحراوية اي موريتانية و العمل على دفع هذه الاخيرة الى رمي السلاح.

لبلوغ هذا الهدف كان يجب أولا إضعاف ثم الإطاحة بنظام الرئيس الراحل المختار ولد داده بعدها الترتيب لوضع ضابط سامي حليف إليهما على رأس هرم السلطة في نواكشوط و اخيرا وضع ترتيبات السيناريو الذي بموجبه سيتمكن البوليساريو من احتلال منطقة واد الذهب التي كانت تديرها مرحليا موريتانيا  بموجب اتفاقية مدريد (14 نوفمبر 1975).

الأجهزة المغربية كانت و بكل تأكيد تترصد و تتتبع عن كتب كل ما يقع في موريتانيا و اكيد ايضا انها كانت تتوقع حدوث الانسحاب الموريتاني المبرمج بالنظر لما كانت تعرفه عن الحكام الجدد في نواكشوط خاصة عن العقيد خونا ولد هيدله الذي كانت على المام بتعاطفه مع الجبهة لأسباب قبلية صرفة.

جند البوليساريو في محاولته لاحتلال واد الذهب وحدة ضخمة - عدد مقاتليها 3000 عنصر يمتطون 500 عربة - مزودة بأسلحة جد متطورة , الوحدة التي ستنطلق من الجنوب الشرقي للإقليم صوب بئر انزارن في افق احتلالها قبل الزحف عبر جبال اكركر نحو مدينة الداخلة عاصمة الاقليم .

إلا ان طموحات هذه الوحدة و على عكس ما كان يتوقعه البوليساريو ستنكسر كلية في الحادي عشر من شهر غشت حيث واجهتها عناصر القوات المسلحة الملكية المرابطة ببئر انزارن (300 عنصر )

تحت قيادة الكولونيل علي مزرد بكل بسالة قبل ان يلتحق فيلق المشاة السادس ( 6ème RIM) تحت قيادة الكومندار الغجدامي بميدان المعركة حيث سيسحق الوحدة الغازية و يجبر ما تبقى من عناصرها على الفرار قبل ان يلاحقهم سلاح الطيران ليسحق بدوره جزءا كبيرا من الفارين.

بعد هذه المعركة التي حسمت بشكل كبير في استرجاع اقليم واد الذهب و اذا ما استثنينا بعض المناوشات الطفيفة التي كانت تحدث اثناء مطاردة وحدات التدخل السريع( (RIM et DIR)  لعناصر البوليساريو التي كانت تتسل بين الفينة و الاخرى بأعداد صغيرة الى واد الذهب فإن الاقليم كان آمنا عندما حلت به مجموعة احد التي لم يتجرأ البوليساريو اعتراض طريقاها  .

مجموعة احد انشأت  للقيام بأكبر عملية  تمشيط ( Ratissage) شهدتها الأقاليم الصحراوية خاصة إقليم واد الذهب الذي كان قد استرجع اذاك حديثا.

إحداثها في تلك الفترة بالذات لدليل قاطع على ان المغرب كان على دراية تامة بما تخطط له الجزائر و صنيعتها البوليساريو بتنسيق مع نظام ولد هيدله.

ساهمت هذه الفرقة في حسم الصراع العسكري نظرا لعدة عوامل، أولها أنها كانت مبادرة في شن الهجمات عوض الأسلوب الذي كان معتمدا في السابق، حيث كانت القوات المرابضة بالصحراء تنتظر فلول البوليساريو إلى حين شنهم لهجوم ومن ثم الاشتباك معهم .

العامل الثاني يتمثل في معركة الوركزيز نفسها التي شكلت ملحمة عسكرية مغربية بامتياز، الملحمة قامت على مباغتة عناصر البوليساريو في عقر دارهم  وتنقيتهم من داخل الأوكار التي كانوا يتحصنون فيها.

لقد كان لعنصر المباغتة دور مهم لأن جميع الضربات التي تلقاها الجيش المغربي جاءت نتيجة العامل النفسي الذي يكون عليه الجندي الموجود في وضعية انتظار، ففي العلم العسكري هناك قاعدة معروفة «الروتين ينقص من اليقظة.

العامل الآخر الذي ساهم في حسم المعركة هو الاستعانة بمرشدين من أبناء المنطقة الذين لهم دراية كبيرة بطبوغرافية المنطقة.

آخر الأخبار