الداكي: الموروث الثقافي والنصوص القانونية وراء المتابعة في حالة اعتقال
اعتبر الحسن الداكي الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ، رئيس النيابة العامة حرية الأفراد حقا مقدسا أقرته المواثيق الدولية وقيدت المساس به لأضيق الحدود.
وأوضح في كلمة له بمناسبة افتتاح الندوة العلمية حول "الاعتقال الاحتياطي" المنظمة صباح اليوم بتطوان ان دستور المملكة اولى لهذا الحق أهمية بالغة، حيث نص في فصله الثالث والعشرين على أنه "لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون".
وقد أكد قانون المسطرة الجنائية على أهمية الحق في الحرية حينما اعتبر في المادة 160 منه، أن الاعتقال الاحتياطي ما هو إلا تدبير استثنائي.
غير أن كثيرا من الخبراء والدارسين المهتمين بالعدالة الجنائية يعتبرون أن من أبرز أزمات الاعتقال الاحتياطي ارتفاع معدلاته، وما قد يفرزه ذلك من تأثيرات سلبية على الوضعية العامة للساكنة السجنية، الأمر الذي يسائل الفاعلين القضائيين الذين لهم سلطة الاعتقال، وفي مقدمتهم النيابة العامة، على دورها في ترشيد الاعتقال الاحتياطي وما تم اتخاذه من تدابير وإجراءات في هذا الإطار.
وأبرز الداكي ان النيابة العامة، انطلاقا من الدور المنوط بها دستوريا بمقتضى الفصل 117 من الدستور بخصوص حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم، تحرص قبل إصدارها للأوامر بالاعتقال على ضرورة الموازنة بين مصلحتين أساسيتين، أولهما حق الفرد في الحرية بما يتضمنه من حمولة حقوقية ودستورية، وثانيهما حق المجتمع في الأمن والطمأنينة عبر التصدي للجرائم التي تضر به وبحقوق الضحايا.
وهي موازنة صعبة تجعل اختيار القرار المناسب ليس بالأمر الهين، فكما يُنتقد اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي لمساسه بالحرية، كثيرا ما يُنتقد موقف النيابة العامة لعدم متابعتها للمشتبه فيه في حالة اعتقال.
ولعل التظلمات التي تتلقاها رئاسة النيابة العامة من بعض الضحايا بسبب عدم اعتقال المشتكى به لدليل على ذلك.
وإلى جانب هذا المعطى الأخير، والذي قد يعبر عن موروث ثقافي عند البعض، يجعل من سلب الحرية هو الحل القضائي العادل جراء الاعتداء الذي قد يتعرض له الضحية، هناك محددات أخرى تساهم في الرفع من قرارات الاعتقال الاحتياطي، فمعظم النصوص القانونية المؤطرة لمختلف الميادين الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية تحمل في طياتها مقتضيات زجرية تتضمن عقوبات سالبة للحرية، الأمر الذي قد يفرز تحريك متابعات قضائية في حالة اعتقال في مواجهة المخالفين لها، هذا بالإضافة إلى غياب بدائل متعددة للاعتقال الاحتياطي على المستوى التشريعي.
كما شكل واقع الجريمة ومعدلاتها عاملاً محدداً في هذا الإطار، ويلاحظ هنا أنه سنة بعد أخرى يرتفع عدد الأشخاص المقدمين إلى النيابات العامة للاشتباه في ارتكابهم جرائم، فعلى سبيل المثال انتقل عدد المقدمين سنة 2017 من 537100 شخص إلى 648296 شخص سنة 2020، أي بزيادة بلغت أكثر من 110.000 شخص في أربع سنوات بنسبة ارتفاع تقدر بـ 20℅.
انطلاقا من الأدوار الدستورية والقانونية الملقاة على عاتق رئاسة النيابة العامة، فإن هذه الأخيرة واعية أشد الوعي بضرورة ترشيد الاعتقال الاحتياطي باعتباره أولوية مركزية في تنفيذ السياسة الجنائية.
ولهذه الغاية تحرص على تتبعه بشكل دقيق وتقوم بتوجيه رسائل دورية وتعقد اجتماعات منظمة مع المسؤولين القضائيين لحث قضاة النيابة العامة على تفعيل الطابع الاستثنائي للاعتقال الاحتياطي، وعدم إصدار قرار الإيداع في السجن إلا إذا توفرت وسائل إثبات قوية، وخطورة بارزة سواء في الجريمة المرتكبة أو في سلوك الجاني.
وقد تجلت نتائج هذه الجهود بشكل ملموس، حيث انخفض معدل الاعتقال الاحتياطي سنة 2017 من 42℅ إلى أقل من 39℅ في متم سنة 2019، كما انخفضت عدد المتابعات في حالة اعتقال والتي تنتهي بالبراءة من أكثر من4000 حكم بالبراءة في كل من سنتي 2017 و2018 إلى 1867 حكم بالبراءة خلال سنة 2020. وهو ما يعكس المجهود الكبير الذي تقوم به رئاسة النيابة العامة مع مختلق النيابات العامة بالمحاكم من أجل تخفيض عدد حالات الأحكام التي تنتهي بالبراءة إلى أقل من النصف في الثلاث سنوات الأخيرة.
غير أنه مع ذلك ينبغي التأكيد على أن تخفيض معدل الاعتقال الاحتياطي لا يمكن أن ينجح بجهود النيابة العامة وحدها، فالعوامل المتدخلة في عدد المعتقلين تتميز بالتعدد، بدءً من مرحلة ما قبل وقوع الجريمة، حيث يجب وضع برامج وقائية للحيلولة دون ارتفاع عدد المشتبه فيهم المقدمين إلى العدالة، ثم تمتد إلى غاية انتهاء العملية القضائية وصيرورة الحكم الصادر في مواجهة المعتقل حائزاً لقوة الشيء المقضي به.
ذلك أن تشريعنا الوطني يعتمد تعريفاً واسعا للمعتقل الاحتياطي يمتد لكافة مراحل التقاضي، ولا ينزع وصف الاحتياطي عن المعتقل إلا إذا صار الحكم الصادر في مواجهته غير قابل للطعن لا بالاستئناف ولا بالنقض.
لذلك تعتبر وثيرة تصفية قضايا المعتقلين عاملا أساسيا في تحديد نسب الاعتقال الاحتياطي. وقد برز ذلك بشكل ملموس خلال سريان حالة الطوارئ الصحية، حيث أدى اتخاذ التدابير الاحترازية لموجهة كوفيد 19 المستجد إلى بلوغ عدد المعتقلين الاحتياطيين لأكثر من 45% من مجموع الساكنة السجنية خلال متم سنة 2020. وهو معدل مرتفع لم ينتج عن ارتفاع عدد الأوامر بالاعتقال التي تصدرها النيابة العامة، والتي بالمناسبة انخفضت سنة 2020 بأكثر من 8000 أمر مقارنة مع سنة 2019،حيث كان معدل الاعتقال الاحتياطي هو 39 %، وإنما نتج عن الصعوبات التي واجهت تصفية القضايا خلال حالة الطوارئ الصحية.
مع الإشارة هنا أنه لولا اعتماد بلادنا للمحاكمة عن بعد كخيار استراتيجي لكانت معدلات الاعتقال الاحتياطي أكبر بكثير من 45%. علما أنه بفضل اعتماد المحاكمة عن بعد تم إطلاق سراح أكثر 12680 شخص كانوا سينضافون لعدد المعتقلين الاحتياطيين لو لم يتم اعتماد هذه المحاكمات،
وبحسب الداكي فالنيابة العامة اليوم واعية بجسامة مسؤولية تقرير القرارات التي تتخذها بمناسبة تحريكها للدعوى العمومية، كما أنها لا تذخر جهدا في المشاركة إيجابا مع قضاة الحكم لجعل البت في قضايا المعتقلين يتم داخل أجل معقول يراعي حق المعتقل في المحاكمة العادلة، وقد برز ذلك جليا في متم سنة 2020، ذلك أنه من مجموع الساكنة السجنية التي كانت تبلغ 84990 معتقل، فقط 15359 معتقل لم يتم البت في قضاياهم بحكم ابتدائي يقضي بعقوبة سالبة للحرية، أي ما نسبته 18% فقط. وهذا الأخير هو المعدل الحقيقي للاعتقال الاحتياطي في بلادنا وفق التعريف المعتمد أمميا وفي القوانين المقارنة للمعتقل الاحتياطي والتي تحصر تعريف المعتقل الاحتياطي في المعتقل الذي لم يصدر في مواجهته حكم قضائي لو كان ابتدائيا.
ومن جانب آخر فإن رئاسة النيابة العامة، ورعيا منها لقدسية الحق في الحرية لن تذخر جهدا للمضي قدما في سبيل ترشيد الاعتقال الاحتياطي كتوجه استراتيجي لا رجعة فيه، وتفعيل بدائله، في حالة إقرار بدائل جديدة للاعتقال الاحتياطي تشريعيا، وهو ما نعول فيه كثيرا على التعديلات التشريعية التي يمكن أن يأتي بها مشروع قانون المسطرة الجنائية والقانوني الجنائي، مما سيساهم حتما في التخفيف من معدلات الاعتقال الاحتياطي ببلادنا.