أزمة التأطير النفسي تحت المجهر.. فاجعة البيضاء تحرك البرلمان

الكاتب : انس شريد

12 July 2025 - 11:50
الخط :

شهد محيط المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بمولاي رشيد، مؤخرًا، وقفة احتجاجية غاضبة شارك فيها عشرات الأساتذة المنضوين تحت لواء الجامعة الوطنية للتعليم – التوجه الديمقراطي، وعدد من التنسيقيات النقابية والقطاعية، وذلك على خلفية وفاة أستاذ وضع حدًا لحياته بعد قرار توقيفه مؤقتًا عن العمل.

المحتجون رفعوا شعارات قوية نددوا من خلالها بما وصفوه بسوء تدبير الإدارة للملف، معتبرين أن ما تعرض له زميلهم لم يكن سوى نتيجة مباشرة لتراكم الضغوط الإدارية والنفسية التي يعاني منها عدد كبير من الأطر التربوية في غياب آليات للدعم والمواكبة.

وجاءت الوقفة بعد أيام قليلة فقط من الواقعة التي هزت الجسم التعليمي وأثارت موجة من الحزن والاستنكار، حيث أقدم الأستاذ، الذي كان يشتغل بإحدى المؤسسات التعليمية التابعة للمديرية الإقليمية بمولاي رشيد، على الانتحار في ظروف وُصفت بالمأساوية.

وقد تضاربت الروايات بخصوص حيثيات الحادث، لكن أصواتًا نقابية أكدت أن قرار توقيفه المؤقت عن العمل، ومنعه من توقيع محضر الخروج الإداري يوم السبت 5 يوليوز، كانا عاملين رئيسيين في تأزيم حالته النفسية ودفعه نحو اتخاذ قراره المؤلم.

في سياق تفاعل المؤسسات الرسمية مع الملف، وجهت النائبة البرلمانية نجوى ككوس سؤالًا كتابيًا إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، تطالب فيه بفتح تحقيق شفاف وعاجل لتحديد ملابسات الحادث.

وأشارت ككوس إلى أن هذه الواقعة المؤسفة تعكس حجم الضغوط التي يرزح تحتها الأساتذة، في ظل ما وصفته بغياب الحماية الإدارية والقانونية الكافية، لا سيما في الحالات المرتبطة بشكايات كيدية أو خلافات مهنية تُدار خارج الأطر التربوية السليمة.

وأكدت البرلمانية على ضرورة اعتماد مقاربة أكثر إنسانية في تدبير الملفات التأديبية، مشددة على أهمية إحداث خلايا للدعم النفسي والوساطة داخل المؤسسات التعليمية، من أجل مواكبة الأساتذة وتفادي تحول التوترات المهنية إلى قرارات إدارية قد تكون لها تبعات مأساوية، خاصة في غياب مسارات بديلة للحوار والاحتواء.

وفي اليوم الموالي للاحتجاج، أصدرت المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بمولاي رشيد بلاغًا صحفيًا، بتاريخ 7 يوليوز 2025، عبّرت فيه عن أسفها لوفاة الأستاذ، مع نفيها أن تكون قد أوقفت راتبه، مؤكدة أنه توصل بكامل أجره عن شهر يونيو الماضي.

وأضاف البلاغ أن المديرية ستعمل على صرف مستحقات الوفاة لذوي الأستاذ في أقرب وقت، دون الخوض في تفاصيل إضافية بخصوص ظروف توقيفه أو المساطر الإدارية التي رافقت ذلك.

غير أن هذا البلاغ لم يكن كافيًا لتهدئة الأوضاع، بل زاد من حدة الغضب وسط الشغيلة التعليمية، التي رأت في الرد الرسمي محاولة للتنصل من المسؤولية. عدد من المحتجين اعتبروا أن الإدارة لم تتعامل بجدية مع الأثر النفسي للإجراءات التأديبية، وأنها تجاهلت أهمية التواصل مع المعني بالأمر خلال مراحل الحسم الإداري، وهو ما جعل وفاته نتيجة "مباشرة لغياب الإنصاف والإنصات"، حسب تعبيرهم.

الضجة التي أثارتها الحادثة دفعت عددًا من المنظمات الحقوقية إلى الدخول على خط القضية، من بينها فرع المنظمة المغربية للعدالة وحقوق الإنسان بعين السبع–الحي المحمدي، التي أصدرت بلاغًا عبرت فيه عن استنكارها الشديد لما اعتبرته "تجاهلًا للمسؤولية المؤسسية والإدارية" في حماية الأساتذة.

ووصفت المنظمة الواقعة بأنها جرس إنذار خطير يستدعي إعادة النظر بشكل شامل في طريقة تدبير النزاعات داخل المؤسسات التعليمية، داعية إلى اعتماد آليات جديدة تُعيد التوازن إلى العلاقة بين الإدارة والأستاذ، وتُحصِّن الأخير ضد أي تعسف إداري محتمل.

كما أكدت المنظمة على ضرورة خلق خلايا للوساطة التربوية داخل المؤسسات التعليمية، تتولى التدخل قبل اتخاذ أي إجراءات تأديبية، وتُوفر بيئة سليمة لتدبير الخلافات بين مختلف أطراف المنظومة التربوية، مع ما يصاحب ذلك من ضرورة إرساء منظومة دعم نفسي مهيكلة للأساتذة، لا سيما أولئك الذين يعانون من ظروف اجتماعية أو مهنية ضاغطة.

المطالب التي صدرت عن الفاعلين النقابيين والحقوقيين التقت عند نقطة أساسية، وهي الحاجة الملحة لإصلاح جذري يراعي الكرامة المهنية للأطر التربوية، ويعتمد قواعد إنصاف عادلة في التعاطي مع الشكايات والملاحظات داخل الوسط المدرسي.

كما برزت دعوات متجددة لإقرار نصوص تشريعية واضحة تحمي الأستاذ من القرارات التعسفية، وتمنحه حق الدفاع عن النفس في إطار من الشفافية والمسؤولية.

آخر الأخبار