أغلبية حكومة أخنوش تحمل "البيجيدي" مسؤولية احتجاجات "أيت بوكماز"

الكاتب : انس شريد

13 July 2025 - 06:30
الخط :

في خضم الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها منطقة آيت بوكماز الجبلية بإقليم أزيلال، طفت على السطح مواقف سياسية حادة تكشف عمق التراكمات التنموية التي ظلت معلقة لسنوات، لتتحول إلى شرارة حراك سلمي استثنائي حمل رسائل واضحة للسلطات المركزية والجهات المنتخبة.

وفي هذا السياق، حمّل هشام المهاجري، النائب البرلماني وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، المنتمي إلى الأغلبية الحكومية الحالية التي يقودها عزيز أخنوش، مسؤولية هذا الوضع الاجتماعي المتأزم للحكومة السابقة التي كانت تحت قيادة حزب العدالة والتنمية، متهمًا إياها بعدم تفعيل مقتضيات دستورية كان من شأنها أن تقي المناطق الهشة من الانفجار الاجتماعي.

وأكد المهاجري، خلال مداخلته في جلسة مخصصة لموضوع الدعم الاجتماعي ضمن أشغال الجامعة الصيفية، أن حكومة البيجيدي السابقة فشلت في تفعيل الفصل 142 من الدستور، الذي ينص على إحداث صندوق التأهيل الاجتماعي، وهو الصندوق الذي كان يفترض أن يلعب دورًا محوريًا في تعزيز العدالة المجالية والنهوض بالمرافق الأساسية في قطاعات الصحة والتعليم والبنية الطرقية.

وأضاف أن القانون المالي الذي أُحدث بموجبه هذا الصندوق سنة 2016 لم يتضمن أي موارد مالية مخصصة له، رغم أن مدته تمتد إلى غاية سنة 2027، مبرزًا أن المعارضة آنذاك اضطرت إلى التقدم بطعن لدى المحكمة الدستورية، ما أسفر عن ضخ 10 ملايين درهم فقط في هذا الصندوق، دون أن يُفعل فعليًا إلى حدود الساعة.

وفي معرض حديثه عن برنامج تقليص الفوارق المجالية، أوضح المهاجري أن الطريقة التي دُبر بها هذا المشروع خلال المرحلة السابقة شابها الكثير من الصراعات السياسية بين مكونات الأغلبية آنذاك، وهو ما أدى إلى تحويله من بين أيدي الجهات المنتخبة إلى وزارة الفلاحة، في ضرب واضح لمنطوق القانون 113.14 الذي يمنح صلاحيات التدبير الترابي لرؤساء الجهات والولاة والعمال والمجالس الإقليمية، بما يضمن نجاعة أكبر في الاستجابة لحاجيات الساكنة.

هذه التصريحات السياسية تأتي في وقت تصاعدت فيه حدة الغضب الشعبي بجماعة آيت بوكماز، التي شهدت تنظيم مسيرة سلمية غير مسبوقة، امتدت على مدى يومين، قطعتها الساكنة سيرًا على الأقدام نحو مقر عمالة أزيلال، رافعة مطالب اجتماعية وتنموية آنية، تمحورت حول توفير الخدمات الصحية الأساسية، وإصلاح البنية الطرقية المتدهورة، إلى جانب مطالب متعلقة بالشباب والتعليم والماء الصالح للشرب والاتصال.

وقد لقيت هذه الخطوة الاحتجاجية، التي حظيت بإشادة واسعة من قبل المتتبعين بسبب طابعها السلمي والتنظيمي الناضج، تفاعلًا سريعًا من قبل السلطات المحلية، حيث استقبل عامل الإقليم ممثلين عن الساكنة، واستمع إلى مطالبهم بشكل مباشر، متعهدًا بتنفيذ عدد من النقاط المستعجلة، في مقدمتها تعيين طبيب قار بالمركز الصحي المحلي، وإصلاح الطريق الجهوية رقم 302، إلى جانب إنشاء ملعب رياضي في غضون الأشهر المقبلة، فضلًا عن الإعداد لزيارة ميدانية رسمية لعامل الإقليم إلى المنطقة من أجل ضمان تتبع تنفيذ هذه الالتزامات.

وتأتي هذه الوعود الرسمية في سياق محاولة استعادة الثقة بين المواطن والدولة، في ظل ما يمكن اعتباره إخفاقًا متراكبًا في الاستجابة للمطالب الأساسية التي يضمنها الدستور المغربي، لا سيما في المناطق الجبلية والقروية التي عانت طويلًا من التهميش.

فقد أكدت شعارات المشاركين في المسيرة ورسائلهم الموجهة للمسؤولين أن مطالبهم ليست تعجيزية، بل واقعية وتتناسب مع الإمكانيات المتاحة، وتتمثل في الحق في التطبيب والتعليم والنقل المدرسي، إلى جانب تحسين تغطية شبكتي الهاتف والإنترنت، وبناء مركز للتكوين المهني يراعي خصوصية المنطقة، إضافة إلى تشييد سدود تلية لحماية الأراضي الفلاحية من خطر الفيضانات.

وفيما يترقب سكان آيت بوكماز خطوات عملية ملموسة من قبل السلطات المعنية، عبّر عدد من الفاعلين الجمعويين والمنتخبين المحليين عن تفاؤل مشوب بالحذر، مشددين على أن تنمية المنطقة لا يمكن أن تتحقق عبر حلول ظرفية أو وعود موسمية، بل تقتضي رؤية استراتيجية تضع العدالة المجالية في صلب السياسات العمومية، وتعتمد مقاربة تشاركية حقيقية تُشرك الساكنة المحلية في رسم أولويات التنمية.

من جهة أخرى، أعادت احتجاجات آيت بوكماز إلى الواجهة النقاش حول فعالية برامج الدولة في مواجهة التفاوتات المجالية، وجدوى الصناديق المخصصة للتأهيل الاجتماعي وتقليص الفوارق، ومدى التزام مختلف الحكومات المتعاقبة بتطبيق مضامين الدستور بشكل فعلي، وليس فقط على الورق.

كما سلطت الضوء على أهمية إعطاء الكلمة للجهات والفاعلين الترابيين في اتخاذ القرار التنموي، بدل تكريس المركزية التي أثبتت محدوديتها في حل الإشكالات المعقدة التي تعاني منها المناطق الهامشية.

وتبقى آيت بوكماز، رغم ظروفها الجغرافية الصعبة وهشاشة بنيتها التحتية، مثالًا على وعي مجتمعي متقدم، عبر عنه المواطنون بخطاب حضاري واحتجاج راقٍ، ما يضع الدولة أمام مسؤولية مضاعفة لتكريس هذا النموذج الإيجابي والرد عليه بإجراءات عملية تضمن كرامة المواطن وتحقيق الإنصاف الترابي الذي يعتبر حجر الزاوية في مغرب العدالة الاجتماعية.

آخر الأخبار